الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثامن والعشرون أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 109 ] الحديث الثامن والعشرون .

عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ، وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقلنا : يا رسول الله ، كأنها موعظة مودع ، فأوصنا ، قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة ، وإن تأمر عليكم عبد ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة رواه أبو داود والترمذي ، وقال حديث حسن صحيح .

التالي السابق


هذا الحديث خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه من رواية ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، زاد أحمد في رواية له ، وأبو داود : وحجر بن حجر الكلاعي ، كلاهما عن العرباض بن سارية ، وقال الترمذي : حسن صحيح ، وقال الحافظ أبو نعيم : هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين ، قال : ولم يتركه البخاري ومسلم من جهة إنكار منهما له ، وزعم الحاكم أن سبب تركهما له أنهما توهما أنه ليس له [ ص: 110 ] راو عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد ، وقد رواه عنه أيضا بحير بن سعد ومحمد بن إبراهيم التيمي وغيرهما .

قلت : ليس الأمر كما ظنه ، وليس الحديث على شرطهما ، فإنهما لم يخرجا لعبد الرحمن بن عمرو السلمي ، ولا لحجر الكلاعي شيئا ، وليسا ممن اشتهر بالعلم والرواية .

وأيضا فقد اختلف فيه على خالد بن معدان ، فروي عنه كما تقدم ، وروي عنه عن أبي بلال عن العرباض ، وخرجه الإمام أحمد من هذا الوجه أيضا وروي أيضا عن ضمرة بن حبيب ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، عن العرباض ، خرجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه ، وزاد في حديثه : فقد تركتكم على البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك وزاد في آخر الحديث : فإنما المؤمن كالجمل الأنف ، حيثما قيد انقاد .

وقد أنكر طائفة من الحفاظ هذه الزيادة في آخر الحديث ، وقالوا : هي مدرجة فيه ، وليست منه ، قاله أحمد بن صالح المصري وغيره ، وقد خرجه الحاكم ، وقال في حديثه : وكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث : فإن المؤمن كالجمل الأنف ، حيثما قيد انقاد .

وخرجه ابن ماجه أيضا من رواية عبد الله بن العلاء بن زبر ، حدثني يحيى بن أبي المطاع ، سمعت العرباض فذكره ، وهذا في الظاهر إسناد جيد متصل ، ورواته ثقات مشهورون ، وقد صرح فيه بالسماع ، وقد ذكر البخاري في " تاريخه " أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العرباض اعتمادا على هذه الرواية ، إلا أن حفاظ أهل الشام أنكروا ذلك ، وقالوا : يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض ، ولم يلقه ، وهذه الرواية غلط ، وممن ذكر ذلك أبو زرعة [ ص: 111 ] الدمشقي ، وحكاه عن دحيم ، وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم ، والبخاري رحمه الله يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام ، وقد روي عن العرباض من وجوه أخر ، وروي من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أن إسناد حديث بريدة لا يثبت ، والله أعلم .

فقول العرباض : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ، وفي رواية أحمد وأبي داود والترمذي : " بليغة " ، وفي روايتهم أن ذلك بعد صلاة الصبح ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة ، كخطب الجمع والأعياد ، وقد أمره الله تعالى بذلك ، فقال : وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا [ النساء : 63 ] ، وقال : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة [ النحل : 125 ] ، ولكنه كان لا يديم وعظهم ، بل يتخولهم به أحيانا ، كما في " الصحيحين " عن أبي وائل ، قال : كان عبد الله بن مسعود يذكرنا كل يوم خميس ، فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمن ، إنا نحب حديثك ونشتهيه ، ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم ، فقال : ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهة أن أملكم ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا .

والبلاغة في الموعظة مستحسنة ، لأنها أقرب إلى قبول القلوب واستجلابها ، والبلاغة : هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة ، وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها ، وأفصحها وأحلاها للأسماع ، وأوقعها في القلوب . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقصر خطبتها ، ولا يطيلها ، بل كان يبلغ ويوجز .

وفي " صحيح مسلم " عن جابر بن سمرة قال : كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 112 ] فكانت صلاته قصدا ، وخطبته قصدا .

وخرجه أبو داود ولفظه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة ، إنما هو كلمات يسيرات .

وخرجه مسلم من حديث أبي وائل قال : خطبنا عمار فأوجز وأبلغ ، فلما نزل ، قلنا : يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت ، فلو كنت تنفست ، قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن طول صلاة الرجل ، وقصر خطبته ، مئنة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة ، وأقصروا الخطبة ، فإن من البيان سحرا .

وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث الحاكم بن حزن ، قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة فقام متوكئا على عصا أو قوس ، فحمد الله ، وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات .

وخرج أبو داود عن عمرو بن العاص أن رجلا قام يوما ، فأكثر القول ، فقال عمرو : لو قصد في قوله ، لكان خيرا له ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لقد رأيت - أو أمرت - أن أتجوز في القول ، فإن الجواز هو خير .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث