الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 354 - 356 ] ( ويكره أن يتنفل بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب ) لما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك . ( ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين الفوائت ، ويسجد للتلاوة ، ويصلي على الجنازة ) لأن الكراهة كانت لحق الفرض ليصير الوقت كالمشغول به ، لا لمعنى في الوقت ، فلم تظهر في حق الفرائض ، وفيما وجب لعينه كسجدة التلاوة وظهرت في حق المنذور لأن تعلق وجوبه سبب من جهته ، وفي حق ركعتي الطواف ، وفي الذي شرع فيه ثم أفسده ، لأن الوجوب لغيره ، وهو ختم الطواف وصيانة المؤدى عن البطلان . [ ص: 357 - 360 ] ( ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر ) لأنه عليه الصلاة والسلام لم يزد عليهما مع حرصه على الصلاة .

( ولا يتنفل بعد الغروب قبل الفرض ) لما فيه من تأخير المغرب ( ولا إذا خرج الإمام للخطبة يوم الجمعة إلى أن يفرغ من خطبته ) لما فيه من الاشتغال عن استماع الخطبة .

التالي السابق


{ الحديث التاسع عشر } : روي { أنه عليه السلام نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس } ، قلت : روي من حديث ابن عباس ، ومن حديث أبي هريرة ، ومن حديث الخدري ، ومن حديث عمرو بن عبسة . فحديث ابن عباس ، رواه الأئمة الستة في " كتبهم " أنه قال : { شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس }انتهى .

وأما حديث أبي هريرة ، فرواه البخاري ومسلم عنه أنه عليه السلام { نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس }انتهى .

وأما حديث الخدري ، فأخرجه البخاري . ومسلم أيضا عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، ولا صلاة بعد صلاة [ ص: 357 ] العصر حتى تغيب الشمس }انتهى .

وأما حديث عمرو بن عبسة ، فأخرجه مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : { صل الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت فلا تصل حتى ترتفع ، فإنها تطلع بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ، ثم صل حتى تصلي العصر ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس ، فإنها تغرب بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار } ، مختصر . واعلم أن ركعتي الطواف داخلتان في المسألة ، فكرهها أصحابنا في الأوقات الخمسة المتقدمة ، وخالفنا الشافعي ، فأجازها فيها آخذا بحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث سفيان عن أبي الزبير عن عبد الله بن باباه عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت ، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار } ، انتهى ورواه ابن حبان في " صحيحه " . والحاكم في " المستدرك في كتاب الحج " ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ، قال : الشيخ في " الإمام " إنما لم يخرجاه لاختلاف وقع في إسناده ، فرواه سفيان ، كما تقدم ، ورواه الجراح بن منهال عن أبي الزبير عن نافع بن جبير سمع أباه جبير بن مطعم ، ورواه معقل بن عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا نحوه ، ورواه أيوب عن أبي الزبير ، قال : أظنه عن جابر ، فلم يجزم به ، وكل هذه الروايات عند الدارقطني ، قال البيهقي بعد إخراجه من جهة ابن عيينة : أقام ابن عيينة إسناده ، ومن خالفه فيه لا يقاومه ، فرواية ابن عيينة أولى أن تكون محفوظة ، ولم يخرجاه ، انتهى . وعبد الله بن باباه ، ويقال : ابن بابيه ، ويقال : ابن بابي ، قال النسائي : ثقة .

وقال ابن المديني : هو من أهل مكة معروف ، وأخبرني الشيخ محب الدين بن العلامة علاء الدين القونوي عن والده أنه بحث هنا بحثا ، فقال : إن بين حديث ابن عباس ، وحديث جبير عموما وخصوصا ، فحديث ابن عباس عام بالنسبة إلى المكان ، خاص بالنسبة إلى الوقت ، فهذا الحديث خاص بالنسبة إلى المكان ، عام بالنسبة إلى وقت الصلاة ، قال : فليس حمل عموم هذا الحديث في الصلاة على خصوص حديث ابن عباس بأولى من حمل عموم حديث ابن [ ص: 358 ] عباس في المكان على خصوص هذا الحديث فيه ، قلنا : حديث ابن عباس أصح من حديث جبير ، فلا يقاومه إلا ما يساويه في الصحة ، فيحمل على حديث ابن عباس ، ولا يحمل على غيره ، وأيضا فقد ورد من فهم الصحابة ما يدل على عدم المعارضة ، روى إسحاق بن راهويه في " مسنده " أخبرنا النضر بن شميل ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن عن عوف ، قال : سمعت نصر بن عبد الرحمن يحدث عن جده معاذ ابن عفراء أنه طاف بعد العصر أو بعد الصبح ولم يصل ، فسئل عن ذلك ، فقال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب ، }انتهى .

{ حديث آخر } أخرجه الدارقطني عن أبي الوليد العدني عن رجاء أبي سعيد عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يا بني عبد المطلب ، أو يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا يطوف بالبيت ويصلي ، فإنه لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا عند هذا البيت يطوفون ويصلون }انتهى .

قال صاحب " التنقيح " : وأبو الوليد العدني لم أر له ذكرا في " الكنى لأبي أحمد الحاكم " . وأما رجاء بن الحارث أبو سعيد المكي ، فضعفه ابن معين انتهى .

أحاديث الخصوم في النافلة بمكة واستدل الشافعي على جواز النافلة بمكة في الأوقات الخمسة المتقدمة بدون كراهة بما تقدم من حديث جبير بن مطعم مرفوعا { يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت ، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار }. وبحديث أخرجه الدارقطني في " سننه " عن عبد الله بن المؤمل المخزومي عن حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد ، قال : قدم أبو ذر فأخذ بعضادتي باب [ ص: 359 ] الكعبة ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لا يصلي أحدكم بعد الصبح إلى طلوع الشمس ، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة يقول ذلك ثلاثا }انتهى .

وهو حديث ضعيف ، قال أحمد : أحاديث ابن المؤمل مناكير ، وقال ابن معين : هو ضعيف الحديث ، ورواه البيهقي ، وقال : هذا يعد في أفراد ابن المؤمل ، وهو ضعيف إلا أن إبراهيم بن طهمان قد تابعه في ذلك عن حميد ، وأقام إسناده ، ثم أخرجه عن خلاد بن يحيى ثنا إبراهيم بن طهمان ثنا حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد ، قال : جاءنا أبو ذر ، فأخذ بحلقة الباب الحديث ، قال البيهقي : وحميد الأعرج ليس بالقوي ، ومجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر ، وقوله : جاءنا ، أي جاء بلدنا ، قال : وقد روي من وجه آخر عن مجاهد ، ثم أخرجه من طريق ابن عدي بسنده عن اليسع بن طلحة القرشي من أهل مكة ، قال : سمعت مجاهدا يقول : بلغنا أن أبا ذر قال : { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بحلقتي الباب يقول ثلاثا : لا صلاة بعد العصر إلا بمكة }.

قال البيهقي : واليسع بن طلحة ضعفوه ، والحديث منقطع ، مجاهد لم يدرك أبا ذر انتهى . قال الشيخ في " الإمام " : وحديث أبي ذر هذا معلول بأربعة أشياء : أحدها : انقطاع ما بين مجاهد . وأبي ذر ، ثم ذكر كلام البيهقي . والثاني : اختلاف في إسناده ، فرواه سعيد بن سالم عن ابن المؤمل عن حميد مولى عفراء عن مجاهد عن أبي ذر لم يذكر فيه قيس بن سعد ، أخرجه كذلك ابن عدي في " الكامل " . قال البيهقي : وكذلك رواه عبد الله بن محمد الشامي عن ابن المؤمل عن حميد الأعرج عن مجاهد . والثالث : ضعف ابن المؤمل ، قال النسائي . وابن معين : ضعيف .

وقال أحمد : أحاديثه مناكير ، وقال ابن عدي : عامة حديثه الضعف عليه بين . الرابع : ضعف حميد مولى عفراء ، قال البيهقي : ليس بالقوي ، وقال أبو عمر بن عبد البر : هو ضعيف انتهى .

{ حديث آخر } خاص بركعتي الطواف ، قال الشيخ في " الإمام " : وقد ورد ما يشعر [ ص: 360 ] بأن هذا الاستثناء بمكة إنما هو في ركعتي الطواف ، فأخرج ابن عدي عن سعيد بن أبي راشد عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس ، من طاف فليصل }أي حين طاف انتهى .

قال ابن عدي : وسعيد هذا يحدث عن عطاء . وغيره بما لا يتابع عليه ، قال البيهقي : وذكره البخاري في " التاريخ " وقال : لا يتابع عليه انتهى .

{ الحديث العشرون } : روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر } ، قلت : روى البخاري . ومسلم ، واللفظ له من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة ، قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين }انتهى .

ورواه الباقون إلا أبا داود : منهم من رواه هكذا ، ومنهم من أتى به في جملة الحديث الطويل في " صلاة النبي صلى الله عليه وسلم تطوعا " . ورواه ابن حبان في " صحيحه " ، ولفظه قال : { كان إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتي الفجر }انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه أبو داود . والترمذي عن قدامة بن موسى عن محمد بن الحصين عن أبي علقمة عن يسار مولى ابن عمر عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين }انتهى .

قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قدامة انتهى . أخرجه أبو داود عن وهيب عن قدامة بن موسى عن أيوب بن حصين عن أبي علقمة به ، وأخرجه الترمذي عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن قدامة عن محمد بن الحصين عن أبي علقمة ، قال ابن القطان في " كتابه " : كل من في هذا الإسناد معروف إلا محمد بن الحصين فإنه مختلف فيه ، ومجهول الحال ، وكان عمر بن علي المقدمي . والدراوردي يقولان : عن قدامة بن موسى عن أيوب بن الحصين [ ص: 361 ]

وقال عثمان بن عمر أنبأ قدامة بن موسى حدثني رجل من بني حنظلة ، وذكر هذا الاختلاف البخاري ، ولم يعرف هو ، ولا ابن أبي حاتم من حاله بشيء ، فهو عندهما مجهول انتهى كلامه . ورواه أحمد في " مسنده " من حديث قدامة ثنا أيوب بن الحصين عن أبي علقمة به ، { لا صلاة بعد طلوع الفجر ، إلا ركعتين } ، ورواه الدارقطني في " سننه " ولفظه عن يسار مولى ابن عمر ، قال : رآني ابن عمر أصلي بعد الفجر فحصبني ، وقال : يا يسار كم صليت ؟ قلت : لا أدري ، قال : ألا دريت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ليبلغ شاهدكم غائبكم أن لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين }؟ انتهى .

وقدامة هذا معروف ، ذكره البخاري في " تاريخه " ، وأخرج له مسلم في " صحيحه " . وأما محمد بن الحصين ، فقال ابن أبي حاتم : محمد بن الحصين التميمي ، وقال بعضهم : أيوب بن حصين ، ومحمد أصح انتهى .

وقال الدارقطني في " علله " : هذا حديث يرويه الدراوردي عن قدامة بن موسى عن محمد بن الحصين عن أبي علقمة مولى ابن عباس عن يسار مولى ابن عمر عن ابن عمر ، وتابعه عمر بن علي المقدمي . وخالفهم سليمان بن بلال ووهيب ، فروياه عن قدامة بن موسى عن أيوب بن الحصين عن أبي علقمة عن يسار مولى ابن عمر ، ويشبه أن يكون القول قول سليمان بن بلال . ووهيب ، لأنهما يثبتان ، انتهى .

فقد اختلف كلام الدارقطني . وابن أبي حاتم ، والله أعلم بالصواب . طريق آخر ، رواه الطبراني في " معجمه الوسط " حدثنا عبد الملك بن يحيى بن بكير حدثني أبي ثنا الليث بن سعد حدثني محمد بن النبيل الفهري عن أبي عمر مرفوعا [ و ] حدثنا محمد بن محموية الجوهري ثنا أحمد بن المقدام ثنا عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب عن المسيب بن رافع عن عبد الله بن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا صلاة بعد الفجر إلا الركعتين قبل صلاة الفجر } ، انتهى .

وقال : تفرد به عبد الله بن خراش انتهى .

طريق آخر ، رواه الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن أبي بكر بن محمد عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر }انتهى وكل ذلك يعكر على [ ص: 362 ] الترمذي في قوله : لا نعرفه إلا من حديث قدامة ، قال الشيخ في " الإمام " : ومما استدل به على ذلك حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يمنعنكم آذان بلال ، فإنه يؤذن بليل حتى يرجع قائمكم ويوقظ نائمكم " ، أخرجه البخاري . ومسلم قال : فلو كان التنفل بعد الصبح مباحا لم يكن لقوله : " حتى يرجع قائمكم " معنى ، وبحديث ابن عمر مرفوعا أيضا " صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشي الصبح صلى واحدة توتر له ما قد صلى " ، أخرجاه أيضا ، قال : فلو كان أيضا مباحا لما كان لخشية الصبح معنى ، قال الشيخ : وهذا ضعيف ، لأنه يجوز أن يكون خشي الصبح لخوف فوت الوتر ، قال الشيخ : واستدل من أجاز التنفل بأكثر من ركعتي الفجر ، بما أخرجه أبو داود في حديث عمرو بن عبسة ، قال : يا رسول الله أي الليل أسمع ؟ قال : " جوف الليل الأخير ، فصل ما شئت ، فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى تصلي الصبح " ، وفي لفظ : " فصل ما بدا لك حتى تصلي الصبح " ، الحديث بطوله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث