الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 374 - 377 ] ( ومن صلى على ظهر الكعبة جازت صلاته ) خلافا للشافعي رحمه الله ; لأن الكعبة هي العرصة والهواء إلى عنان السماء عندنا ، دون البناء ; لأنه ينقل ، ألا ترى أنه لو صلى على جبل أبي قبيس جاز ، ولا بناء بين يديه ، إلا أنه يكره لما فيه من ترك التعظيم ، وقد ورد النهي عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم .

التالي السابق


الحديث الثاني : قال المصنف رحمه الله : ومن صلى على ظهر الكعبة جازت صلاته ، إلا أنه يكره ; لما فيه من ترك التعظيم ، وقد ورد النهي عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام ، قلت : روي من حديث ابن عمر ، ومن حديث عمر أما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي . وابن ماجه في " المساجد " عن زيد بن جبيرة عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { نهى أن يصلى في سبعة مواطن : في المزبلة . والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله }. انتهى . قال الترمذي : هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي ، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه .

وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، وحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أشبه ، وأصح من حديث الليث بن سعد ، وعبد الله بن عمر العمري ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه : منهم يحيى بن سعيد القطان . انتهى . وزيد بن جبيرة اتفق الناس على ضعفه ، فقال البخاري : منكر [ ص: 378 ] الحديث .

وقال النسائي : ليس بثقة ، وقال أبو حاتم والأزدي : منكر الحديث جدا ، لا يكتب حديثه ، قال الدارقطني : ضعيف الحديث .

وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد ، وقال ابن حبان في " كتاب الضعفاء " : زيد بن جبيرة منكر الحديث ، يروي المناكير عن المشاهير ، فاستحق التنكب عن روايته . انتهى .

وأما حديث عمر فأخرجه ابن ماجه في " سننه " عن أبي صالح حدثني الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { سبع مواطن لا يجوز الصلاة فيها : ظهر بيت الله والمقبرة والمزبلة والمجزرة والحمام وعطن الإبل ومحجة الطريق }انتهى . وهذه الطريق التي أشار إليها الترمذي ، قال الشيخ في " الإمام " : وعلته أبو صالح ، كاتب الليث بن سعد ، واسمه : عبد الله بن صالح ، فإنه قد تكلم فيه ، والحديث في هذه الرواية من مسند عمر ، وفي الرواية الأولى من مسند ابن عمر . انتهى .

وقال ابن أبي حاتم في " كتاب العلل " : سألت أبي عن حديث رواه أبو صالح به ، ورواه زيد بن جبيرة ، فقال : الإسنادان واهيان . انتهى .

وقال صاحب " التنقيح " رحمه الله : وأما أبو صالح ، كاتب الليث ، فقد وثقه جماعة ، وتكلم فيه آخرون ، والصحيح أن البخاري روى عنه في " الصحيح " انتهى .

أحاديث الصلاة في المقبرة ، والحمام : أخرج الترمذي في " جامعه " عن عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الأرض كلها مسجد ، إلا المقبرة والحمام }. انتهى .

قال : وهذا فيه اضطراب ، فرواه سفيان الثوري رضي الله عنه عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي عليه السلام مرسلا ، ورواه حماد بن سلمة عن عروة بن يحيى ، فأسنده عن أبي سعيد ، ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى ، فأسنده مرة ، وأرسله أخرى ، وكان عامة روايته الإرسال ، وكانت رواية الثوري أثبت وأصح انتهى .

ورواه ابن حبان في " صحيحه " مسندا باللفظ المذكور ، في النوع التاسع والعشرين ، من القسم [ ص: 379 ] الثالث ، والحاكم في " المستدرك " ، وقال : إنه صحيح على شرط البخاري ، ومسلم ، ولم يخرجاه . انتهى .

قال الشيخ في " الإمام " : وحاصل ما أعل به الإرسال ، وإذا كان الرافع ثقة ، فهو مقبول ، والله أعلم . انتهى . قال النووي رحمه الله في " الخلاصة " : هو حديث ضعيف ، ضعفه الترمذي . وغيره ، وقال : هو مضطرب ، ولا يعارض هذا بقول الحاكم : أسانيده صحيحة ، فإنهم أتقن في هذا منه ; ولأنه قد يصحح أسانيده ، وهو ضعيف لاضطرابه . انتهى .

والحديث معارض بحديث جابر ، أخرجه البخاري ومسلم عنه مرفوعا : { أعطيت خمسا ، لم يعطهن أحد قبلي ، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى كل أحمر وأسود ، وأحلت لي الغنائم ، ولم تحل لأحد قبلي ، وجعلت لي الأرض طيبة ، طهورا ومسجدا ، فأيما رجل أدركته الصلاة ، صلى حيث كان ، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر ، وأعطيت الشفاعة }. انتهى .

وفي لفظ للبخاري : { لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي } ، وفيه { وبعثت إلى الناس كافة } ، وفيه : { وأيما رجل من أمتي } ، وأخرج مسلم عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { فضلت على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا ، إذا لم نجد الماء } ، وذكر خصلة أخرى . انتهى .

وأخرج عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { فضلت على الأنبياء ، بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم وجعلت الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون }. انتهى .

وأخرج البيهقي عن يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن يسار عن أبي أمامة أن النبي عليه السلام ، قال : { إن الله عز وجل فضلني على الأنبياء ، أو قال : أمتي على الأمم ، بأربع : أرسلني إلى الناس كافة وجعل لي الأرض كلها مسجدا وطهورا ، فأينما أدركت الصلاة رجلا من أمتي ، فعنده مسجده وطهوره }. انتهى .

أحاديث الصلاة في الأرض المغصوبة : الصحيح من مذهب أحمد رضي الله عنه [ ص: 380 ] أن الصلاة في الأرض المغصوبة لا تصح ، واحتجوا بحديث ورد عن ابن عمر عن النبي عليه السلام ، وله طريقان : أحدهما : رواه ابن حبان في كتاب الضعفاء " عن عبد الله بن أبي علاج الموصلي عن مالك عن نافع عن { ابن عمر ، قال : من اشترى ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام ، لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه ، صمتا ، إن لم أكن سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ، ولا مرتين ، ولا ثلاثا }. انتهى . قال ابن حبان رحمه الله : وعبد الله بن أبي علاج هذا يروي عن مالك ، ويونس بن يزيد ما ليس من حديثهم ، لا يشك السامع لها أنها صنعته ، وليس هذا من حديث ابن عمر ، ولا حدث به نافع ، ولا رواه عنه مالك ، وإنما هو مشهور من حديث الشاميين ، حدث به بقية بن الوليد بإسناد واه . انتهى .

الطريق الثاني : أخرجه أحمد رضي الله عنه في " مسنده " عن بقية عن عثمان بن زفر عن هاشم عن ابن عمر ، نحوه سواء ، قال ابن الجوزي رحمه الله في " التحقيق " : وهاشم مجهول ، إلا أن يكون ابن زيد الدمشقي ، فذاك يروي عن نافع وقد ضعفه أبو حاتم ، وذكر الخلال ، قال : قال أبو طالب : سألت أبا عبد الله عن هذا الحديث ، فقال : ليس بشيء ، ليس له إسناد . انتهى .

وقد يقال في ذلك : أنه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة ، قال الشيخ في " الإمام " : وقد يحتج لهذا القول بالحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنهامرفوعا ، { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد }. انتهى .

أحاديث الصلاة بين السواري : أخرج أبو داود ، والترمذي ، والنسائي عن سفيان عن يحيى بن هانئ بن عروة المرادي عن عبد الحميد بن محمود ، قال : { صلينا خلف أمير من الأمراء ، فاضطرنا الناس ، فصلينا بين ساريتين ، فلما صلينا ، قال أنس بن مالك : كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم }انتهى .

وقال الترمذي : حديث حسن .

{ حديث آخر } : أخرجه البزار في " مسنده " من طريق أبو داود ثنا هارون أبو مسلم [ ص: 381 ] عن قتادة عن معاوية بن قرة عن أبيه ، قال : { كنا ننهى عن الصلاة بين الأساطين ، ونطرد عنها طردا ، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم }. انتهى .

قال الشيخ في " الإمام " : هكذا وجدت ، هارون أبو مسلمة . وقال ابن أبي حاتم : هارون بن مسلمة ، روى عن قتادة ، سألت أبي عنه ، فقال : شيخ مجهول ، قال الشيخ رحمه الله : وينبغي أن يتأمل ، هل هو هذا ، أم لا . انتهى .

ورواه أبو داود الطيالسي ، والحاكم ، والبيهقي ، قال الحاكم : هذا ، والذي قبله إسنادهما صحيحان ، قال البيهقي : معناه أن السارية تحول بينهم ، فإن كان منفردا أو جماعة لم يجاوز ما بين الساريتين ، فإنه لا يكره ; لحديث ابن عمر : { أن النبي عليه السلام حين دخل الكعبة جعل عمودا عن يمينه ، وعمودا عن يساره ، وثلاثة أعمدة وراءه ، ثم صلى } ، أخرجه البخاري ، ومسلم انتهى كلامه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث