الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الفصل الثالث : في صفة المؤذن

ففي الجواهر يشترط أن يكون مسلما ، عاقلا ، مميزا ، ذكرا ، بالغا ، عدلا ، عارفا بالمواقيت ، صيتا حسن الصوت فلا يعتد بأذان كافر ، أو مجنون ، أو سكران ، أو مختبط أو امرأة ، وقال أشهب : لا يؤذن الصبي ، ولا يقيم إلا مع النساء أو في موضع ليس فيه غيره . وجوز مالك في الحاوي الأذان له ، والقاعد ، والراكب ، والجنب ومنع الإقامة ومنع في الكتاب أذانه ، وقال : لأن المؤذن إمام وهو لا يكون إماما وهو قول الشافعي ، وإن جوز إمامة الصبي . حجة المنع : ما في أبي داود قال عليه السلام : " المؤذنون أمناء " . وقال : " يؤمكم أقرأكم ويؤذن لكم خياركم " . وهذا حجة لسائر [ ص: 65 ] الشروط ، وأنه ليس له وازع شرعي فيحيل الوثوق بأمانته على الأوقات ، ولأنها ولاية على وسيلة أعظم القربات ، وهو ليس من أهل الولايات ، حجة الجواز ما رواه ابن المنذر بإسناده عن عبيد الله بن أبي بكر قال : كان عمومتي يأمرونني بالأذان لهم ، وأنا لم أحتلم ، وأنس بن مالك شاهد ولم ينكر ، ولأنه ذكر الله ، وخبر عن أمر واقع يصحان منه كما تصح أخباره في الاستئذان والوسائل وغير ذلك ، قاله صاحب الطراز ، ولأنه من أهل التنفل بالصلاة ، فيكون من أهل التنفل بالأذان بطريق الأولى ; لأن الوسائل أخفض من المقاصد . حجة الفرق بين الأذان والإقامة : أنها آكد من الأذان للزومها للفذ حتى قيل إن تركها عمدا بطلت صلاته ، حجة تفرقة مالك في رواية أشهب عنه : أن الحاجة قد تدعو إليه في هذه الحالة .

فروع خمسة

الأول : قال صاحب الطراز يستحب حسن الهيئة ، فقد قال أشهب : من أذن وأقام في ثياب شعر أو سراويل فليعد إن لم يصلوا ، وخالفه ابن القاسم .

الثاني : لم يكره في الكتاب أذان الأعمى ، قال : وكان مؤذنه - عليه السلام - أعمى - يعني ابن أم مكتوم - قال صاحب الطراز : ليس فيه خلاف إذا كان أمينا إلا أنه لا يرجع في الوقت إلى ما يقع في نفسه ، بل يستخبر الثقة ويتثبت وفضلهما أشهب على العبد إذا سددوا الوقت والقبلة ، وفضل العبد إذا كان رضى على الأعرابي ، والأعرابي إذا كان رضى على ولد الزنا .

الثالث : قال صاحب الطراز : ظاهر المذهب كراهية أذان النساء خلافا [ ص: 66 ] لـ ( ش ) و ( ح ) غير أن الشافعي قال : لا يجزئ عن الرجال . حجتنا أن رفع صوتها مكروه مع الاستغناء عنه لما فيه من الفتنة ومن ترك الحياء .

الرابع : في الجواهر للإمام : أن يستأجر على الأذان من بيت المال ، واختلف في إجارة غيره من آحاد الناس على الأذان والصلاة ، فالمشهور المنع من الصلاة منفردة والجواز في الأذان منفردا ومع الصلاة ، وعند ابن عبد الحكم الجواز فيهما مطلقا ، وعند ابن حبيب المنع فيهما مطلقا وهو قول أبي حنيفة ، وتردد النقل عن الشافعي ، قال صاحب الطراز : واتفق الجميع على جواز الرزقة وقد أرزق عمر بن الخطاب المؤذنين وكذلك تجوز الرزقة للحاكم ، وإن امتنعت الإجارة على الحكم . حجة المشهور أنه فعل يجوز التبرع به عن الغير فلا يكون كونه قربة مانعا من الإجارة فيه قياسا على الحج عن الغير ، وبناء المساجد ، وكتب المصاحف والسعاية على الزكاة ، ويمتنع في الإمامة مفردة ; لأن فعل الإمام فعل المنفرد ، وفعل المنفرد لا يجوز أخذ الأجرة عليه . حجة من جوزها منفردة ملاحظة التزامه للمكان المعين وهو غير مأمور به عينا ، فجاز أخذ الأجرة عليه ، قال المازري : قال بعض أشياخي : يرتفع الخلاف في المنع إذا كان ثم فعل لا يلزم المصلي كما يرتفع الخلاف في الجواز إذا لم يزد على الواجب . حجة المنع ، ما في أبي داود والترمذي عن عثمان بن أبي العاصي أنه قال : من آخر ما عهد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا ، وصححه الترمذي . وإذا امتنع في الأذان امتنع في الإمامة بطريق الأولى ; لكونها أدخل في باب التقرب والتعلق بالذمة ، وبالقياس على الجهاد .

[ ص: 67 ] وجوابه : أنه محمول على الورع ونحن نقول به ، وعن الثاني أن الجهاد يتعين بالحضور بخلاف الأذان والإمامة .

فرع : مرتب :

في الجواهر : إذا فرعنا على المشهور واستؤجر عليها ، ثم طرأ ما يمنع الإمامة فهل يحط من الأجرة بسبب عجزه قولان للمتأخرين مبنيان على الأتباع هل لها حظ من الثمن أم لا ؟ قال المازري : احتج القائل بعدم الحط بما وقع في المذهب أن من اشترى عبدا له مال ، أو شجرا مثمرا فاستحق المال من يد العبد ، وجائحة تصيب الثمرة ، لا يوجبان حطيطه من الثمن ، واحتج الآخر بأن حلية السيف التابعة له إذا استحقت ، فلها حطها من الثمن ، وكذلك سلعة من صفقة فيها سلع ، قال : إنما سقط اعتبار الأولين ; لأن الثمرة مضمونة بالقبض لما لم يكن على البائع سقي ، وأن العبد مالك ، وإنما وقعت المعاوضة على تقدير يده على ماله وهذا قد فعله البائع ولم يبطل قال : وقد قال بعض المتأخرين : الأحسن الحطيطة بقدر ما يعلم أن المشتري زاده لأجل المال قياسا على ما إذا تعذر على المرأة شوارها فإنه يسقط من الصداق قدر ما يعلم أن الزوج زاده لأجله ، مع أن الزوج لا يملك انتزاعه قال المازري : واعلم أن كون الأتباع مقصودة بالأعواض أمر مقطوع به بل ، نقول التبع قد يرتفع عنه التحريم الثابت له منفردا كحلية السيف التابعة له ، فإنه يحرم بيعها منفردة بجنسها ، ويجوز تبعا ، قال صاحب النكت : يحط من الأجرة بقدر الإمامة ، والفرق أن الإمامة لو عقد عليها منفردة صح وكره ، بخلاف الثمرة ومال العبد .

الخامس من البيان : قال سحنون : إذا كان المؤذنون إذا صعدوا المنار ، [ ص: 68 ] عاينوا ما في الدور وطلب أهلها منعهم من الصعود ، منعوا وإن كان بعض الدور على البعد بينهم الفناء الواسع ، والسكة الواسعة ; لأن هذا من الضرر المنهي عنه . قال صاحب البيان : وهذا على أصل مالك في أن الاطلاع من الضرر الواجب الإزالة ومن يرى من أصحابه أن من أحدث اطلاعا على جاره لا يقضى عليه : ويقال للجار : استر على نفسك يفرق بأن المؤذن ليس بمالك بل طالب مندوبا بفعل محرم قال : وهذا حكم الدور البعيدة إلا أن لا يتبين فيها الذكور من الإناث ، والهيآت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث