الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الأول في شروط الإمامة

جزء التالي صفحة
السابق

الشرط الثالث : الذكورة ، قال في الكتاب : لا تؤم المرأة ، قال صاحب الطراز : المشهور حمله على العموم في الفرض والنفل للرجال والنساء وهو [ ص: 242 ] قول ، وعن مالك الإعادة أبدا ، وروي عنه تؤم النساء وهو قول ش . لنا أنها أسوأ حالا من الصبي للأمر بتأخيرها في الصفوف بخلافه ، ومن العبد بصحة صلاته في الجمعة بخلافها ، ويروى أخروهن حيث أخرهن الله ، فلا يجوز تقديمها للإمامة .

فرع :

قال صاحب الطراز : الخنثى إن حكم لها بالذكورية صحت الصلاة ، أو بالأنوثة أعاد أبدا ، قال أبو الطاهر : والمشكل لا تصح إمامته بالرجال ، ولا بالنساء على المشهور ، وفي الجواهر لا يلحق العنين بالخصي ; لبعده من الأنوثة .

الشرط الرابع : البلوغ في الكتاب لا يؤم الصبي في النافلة الرجال ولا النساء ، وهو قول ح في الفرض والنفل ، قال صاحب الطراز : قال ابن حبيب : يعيد المأموم أبدا ، وروى ابن القاسم يؤم في النافلة ، وأجاز ش إمامته في المكتوبة إلا في الجمعة وهو مذهب أبي مصعب منا ، وفي الجواهر المميز لا تجوز إمامته في المكتوبة ولا تصح ، وقال أبو مصعب : تصح وإن لم تجز ، وفي النافلة تصح وإن لم تجز ، وقيل تصح وتجوز وأما غير المميز فلا تصح ولا تجوز ، والخلاف يرجع إلى إمامة المتنفل بالمفترض فنحن نمنعه ، و ش يجيزه . لنا ما في أبي داود قال عليه السلام : الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن . فحصر الإمام في وصف الضمان فلا يوجد في غيره وضمانه لا يتصور في الذمة ; لأنه لا يبرأ أحد بصلاة غيره ، بل معناه أن صلاة الإمام تتضمن صلاة المأموم ، ولن يتأتى ذلك حتى يشتمل على أوصاف صلاة [ ص: 243 ] المأموم ، لكن من جملة أوصافها الوجوب ، وهو متعذر في صلاة الصبي ، وبهذا التقرير ظهر امتناع إيقاع الظهر خلف من يصلي العصر ، والقاضي خلف المؤدي ، والمفترض خلف المتنفل .

حجة ش : ما في البخاري عن عمرو بن سلمة أنه - عليه السلام - قال لأبيه : ليؤمكم أكثركم قرآنا ، فلم يكن فيهم أكثر قرآنا مني فقدموني وأنا ابن ست سنين . وفيه عن معاذ بن جبل أنه كان يصلي مع النبي - عليه السلام - ثم يرجع فيؤم قومه .

والجواب عن الأول : أنه اجتهاد من قومه فليس بحجة ، وعن الثاني أنها واقعة عين فلعله كان يصلي مع النبي - عليه السلام - النفل ، ويؤيد ذلك أنه كان من خيار فقهاء الصحابة - رضوان الله عليهم - وكان عليه السلام أمره بالصلاة بأهله وكان يحضر معه عليه السلام لاحتمال طريان فقه في الصلاة فيقتبسه ، ويؤيد ذا كونه - عليه السلام - قسم الناس في صلاة الخوف طائفتين فصلى بكل طائفة ركعتين ، وهو على خلاف القواعد من جهة انتظاره تمام الطائفة الأولى وهو زيادة في الصلاة ، ومن جهة استقلال المأموم بنفسه من غير استخلاف ، ومن جهة سلام المأموم قبل إمامه فلو صح ما قالوه لصلى - عليه السلام - بكل طائفة الصلاة تامة دفعا لهذه المحذورات ، وأما صلاة المتنفل خلف المفترض ، ففي الجلاب جوازها ، والفرق أن صفة النفل كونه قربة وهو حاصل في الفرض ، ولهذا من أحرم قبل الزوال بالظهر [ ص: 244 ] ثم تبين له وقع نفلا ، ولأن إعادة الصلاة في جماعة مشروع لتحصيل فضيلة الجماعة ، ولأن الأدنى يتبع الأعلى من غير عكس .

الشرط الخامس : قدرته على الأركان وفيه فروع ثلاثة ، الأول قال في الكتاب : إذا صلى القارئ خلف الأمي هو أشد من إمام ترك القراءة عمدا والإعادة في ذلك كله أبدا ; لأن صلاة الإمام صلاة المأموم على ما تقدم فهو مصل بغير قراءة ، وخالفنا ش هاهنا وفي الراكع خلف المومئ والفاسق ، بناء على أن كل مصل يصلي لنفسه وقد تقدم بطلانه ويؤيده قوله - عليه السلام - يؤم القوم أقرؤهم ، فجعل القراءة من أوصافه ، وقوله - عليه السلام - الإمام ضامن وإنما يتحقق الضمان إذا حمل القراءة عن المأموم بقراءته ، قال صاحب الطراز : وإذا بطلت صلاة المأموم فصلاة الأمي باطلة إذا كان المأموم صالحا للإمامة ، ووافق ح ، وخالف أشهب ، وجه الأول : أنه ترك الاقتداء بحامل القراءة عنه وصلى بغير قراءة في حالة تجب عليه ، وجه الثاني : أن الجمع لا يجب إلا في الجمعة ، والواجب على كل أحد ما يقدر عليه .

فرع :

إن افتتح الأمي ، ثم أتى القارئ ، قال فعلى قول ابن القاسم إن كان لم يركع قطع ، وإن ركع شفعها نافلة فإن كان في ثلاث قطع ، فإن أخره القارئ وتقدم ، قال : يحتمل عدم الإجزاء ; لبطلان الإحرام ، والإجزاء لانتفاء المبطل وهو عدم القراءة ، قال : وظاهر قول ابن القاسم ألا يأتم الأمي بالأمي لفوات شرط الإمامة ، خلافا لسحنون و ش و ح وهو معروف من قول [ ص: 245 ] أهل العلم ; لأن الأمي إن لم تزد حاله بالائتمام ، لا تنقص عن الإفراد ، قال : ولا يأتم الأمي بالقارئ المسخوط الحال .

الثاني : اللاحن ، قال ابن القصار والقاضي عبد الوهاب : إن غير المعنى نحو ( إياك نعبد ) و ( أنعمت عليهم ) بكسر الكاف وبضم التاء لم تجز إمامته وإلا جازت ، وأمر أبو بكر بن محمد بالإعادة من غير تفصيل . وفي البيان قال بعض المتأخرين : لا تجوز وإن كان لحنه في غير الفاتحة ، حملا لما في الكتاب لابن القاسم في الذي لا يحسن القراءة على ظاهره ، وقال : لم يفرق بين فاتحة ولا غيرها ، قال : وهو بعيد ، وفي الجواهر من كان يلحن في الفاتحة لا تصح الصلاة خلفه ، وقال الإمام لا تصح صلاته أيضا ، وحكى اللخمي الصحة على الإطلاق . وفي البيان هي مكروهة ابتداء وهو الصحيح ; لأن اللحان لا يقصد اللحن بل يقصد ما يقصده القارئ ، وإليه ذهب ابن حبيب ، ومنشأ الخلاف هل اللحن يخرج القرآن عن كونه قرآنا أم لا ؟ وفي الحديث : من قرأ القرآن وأعربه كان له بكل حرف عشر حسنات ، فإن لم يعربه كان له بكل حرف حسنة . فأثبت القرآن مع اللحن ، ولا تصح إمامة من لا يقدر على إخراج الحروف من مخارجها بسبب الجهل ، وتجوز إمامة الألكن للسالم منها ، وقال ابن القاسم : إذا كان يقيم الفاتحة ، ولا تجوز إمامة من لا يفرق بين الضاد والظاء ، ومن لا يحسن أداء [ ص: 246 ] الصلاة قراءة وفقها ، قال أبو الطاهر : من كان يعجز عن النطق بالحروف خلقة - وهو الألكن - تصح إمامته لسقوط الفرض عنه بسبب العجز ، بخلاف العاجز بسبب الجهل ، وقيل في العاجز بسبب الخلقة لا تصح إمامته وفي البيان : الألكن الذي لا يبين قراءته ، والألثغ الذي لا يتأتى له النطق ببعض الحروف ، والأعجمي الذي لا يفرق بين الظاء والضاد والسين والصاد ونحوه ، لا خلاف في صحة من ائتم بهم وإن كان الائتمام بهم مكروها إلا أن لا يوجد من يرضى ، قال الأصمعي : الفأفاء الذي يكرر الفاء ، والتمتام الذي يكرر التاء ، والأرث الذي يدغم الحروف بعضها في بعض ، ولكنه يجمع ذلك كله ، قال ابن بشير : لا يفتح على من ليس معه في صلاة وإن طلب منه الفتح ، فإن فعل فعل ، فهل صلاة الفاتح قولان على الخلاف في القرآن يقصد به إفهام الغير ، وأما من في الصلاة فإن أخطأ الإمام في غير أم القرآن يفتح عليه إلا أن يغير المعنى ، أو بطلب منه الفتح وأخطأ في أم القرآن فإنه يفتح عليه ; لأن الصلاة لا تجزئ إلا بها فإن ترك الإنسان آية من الفاتحة فهل يسجد لسهوه أم لا سجود عليه ؟ لأن الأقل تبع للأكثر قولان ، ويتخرج على مراعاة الاتباع في أنفسها فإن الصلاة تبطل . الثالث العاجز عن القيام ، قال في الكتاب : إذا عجز يستخلف ويرجع إلى الصف مأموما . وفي الجلاب في إمامة الجالس بالقائم روايتان وبالجواز ، قال ش و ح ، لنا أن صلاة الإمام هي صلاة المأموم بدليل القراءة ، فيكون تاركا للقيام مع القدرة فلا تصح [ ص: 247 ] صلاته ، وفي الدارقطني عنه عليه السلام : لا يؤمن أحد بعدي جالسا . وهو ضعيف لا تقوم به حجة ، قاله عبد الحق في الأحكام ، حجة الجواز ما في الصحاح : أن أبا بكر - رضي الله عنه - أم بالناس فجاء - عليه السلام - فجلس عن يساره فكان - عليه السلام - يصلي بالناس جالسا ، وأبو بكر قائما يقتدي بصلاته - عليه السلام - ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر رضي الله عنه . قال صاحب الطراز : وجلوس المأموم قادرا على القيام ممنوع عند مالك و ش ، ح ، خلافا لابن حنبل محتجا بما في الصحاح أنه - عليه السلام - سقط عن فرس فجحش شقه الأيمن ، قال أنس : فدخلنا نعوده فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدا فصلينا وراءه قعودا ، فلما قضى الصلاة قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا . الحديث ، إلى أن قال : وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون . وهو عندنا منسوخ بقضية أبي بكر المتقدمة ويعضده أن الأركان واجبة فلا تترك الاقتداء المندوب قال : وتجوز إمامة الجالس للجالس عند مالك ، ومطرف وابن عبد الحكم ، وعن ابن القاسم المنع والجواز وهو أحسن لاستواء الحالة ، ومنع ابن القاسم إمامة المومئ بالمومئ ، وأجازها ش ، قال : وهو ظاهر لما في الترمذي أنه - عليه السلام - صلى بهم في راحلته للمطر والبلة إيماء . حجة المنع قوله عليه السلام : إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا الحديث . فجعل من صفته الركوع والسجود ، والمومئ ليس كذلك ، وأما صلاته خلف الصحيح ، فجائزة اتفاقا ، وفي الجواهر لا تصح إمامة المنضجع بمنضجع ولا غيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث