الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثامن في سبق الإمام المأموم وبالعكس

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الفصل الثامن : في سبق الإمام المأموم وبالعكس

وفيه فروع تسعة :

الأول : قال في الكتاب : إذا جاء والإمام راكع فليركع إن كان قريبا وخشي رفع رأسه من الركوع ويدب إلى الصف ، وقال في العتبية : القرب نحو ثلاثة صفوف ، وقال الشافعي : إن دب ثلاث خطوات بطلت صلاته ، قال صاحب الطراز : وظاهر قوله إن كان قريبا أنه إن بعد لا يركع ، وإن خشي فوات الركعة حتى يأتي الصف وقد نص عليه في المجموعة ، وروى عنه خلافه قال : ويحتمل أن يكون خلافا أو يحمل الأول على أول الصلاة ; لأن إدراك فضيلة الجماعة ممكن ، والثاني على آخر ركعة ، قال أبو الطاهر : وقيل لا يركع مطلقا حتى يدخل الصف .

وإذا قلنا : يدب فهل وهو راكع حتى يرفع وهو في الصف أو حتى يرفع ؟ لأن فعله ذلك في الركوع فشاق قولان ، وفي البخاري عن أبي بكرة أنه انتهى إليه - عليه السلام - وهو راكع فركع قبل أن يصل الصف فذكر ذلك للنبي - عليه السلام - فقال : زادك الله حرصا ولا تعد .

[ ص: 274 ] الثاني : قال : في المجموعة إدراك الركعة قبل رفع الإمام ، قال صاحب الطراز : فإن شك في ذلك لا يحرم ، فإن أحرم وركع ، ثم شك فلا يعتد بها عند مالك ويتمادى ، ويعيد عند ابن الماجشون احتياطا ، والأول أصوب قياسا على الشك في عدد الركعات وغيرها .

الثالث : إذا أحس الإمام بداخل لا ينتظره عند مالك وح ، قال المازري : وقال سحنون : ينتظره ولـ ش قولان ، لنا لو كان ذلك مشروعا ; لصرف نفوس المصلين إلى انتظار الداخلين فيذهب إقبالهم على صلاتهم وأدبهم مع ربهم ، وقياسا على الفذ إذا أحس بمن يعيد فضيلة الجماعة ، وقد سلمه ش ، احتجوا بالقياس على صلاة الخوف بأنها إعانة على قربة فتكون قربة كتعليم العلم ، وإقراء القرآن وتبليغ الشرائع وليس هذا من باب الإشراك في الأعمال ; لأن ذلك لأغراض دنيوية ورد عليهم أنه تفويت لقربتين القيام والفاتحة في الركعة التي يقضيها المسبوق ، أجابوا بأنه معارض بأن السجود والجلوس حينئذ يكون نفلا ، وعلى ما ذكرناه يكون فرضا والفرض أفضل من النفل ، قلنا بل يأتي بهما بعد سلام الإمام فرضا ومعه نفلا فيكون الجميع .

الرابع : قال في الكتاب : إذا أدركه في السجدة الأخيرة يدخل معه ولا يسجد ما فاته ولا يقضيه ; لما في أبي داود قال عليه السلام : إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة . وقال في العتبية : يرفق في مشيه حتى يرفع ملاحظه ليقي الزيادة في الصلاة .

[ ص: 275 ] الخامس : قال صاحب الطراز : يستحب للمأموم ألا يشرع فيما عدا الإحرام والسلام حتى يشرع الإمام ، وقبله منهي عنه فإن رفع قبل أن يظهر الإمام راكعا أو ساجدا فسدت صلاته ، وإلا أجزأه لحصول الارتباط بذلك الجزء ، وفي مسلم عنه عليه السلام : أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار . ولم يذكر إعادة ، ويرجع ولا ينتظر رفع الإمام ، قاله مالك ، وقال أيضا هو وأشهب : لا يرجع ; لأن الركوع والسجود وقد انعقد فتكراره زيادة في الصلاة ، وقال سحنون : يرجع ويبقى بعد السلام بقدر ما تقدمه الإمام ، وروى ابن حبيب له أن يفعل مع الإمام ما عدا الإحرام والسلام والقيام من اثنتين ، وإن لم يرجع إلى الإمام فصلاته صحيحة على المشهور .

السادس : قال ابن القاسم : في الكتاب إذا نعس خلف الإمام عن ركوع الأولى فإن طمع في السجود سجد ويلغيها ، وإنما يتبع الإمام فيما عدا الأولى ، وقاله ح و ش ، قال صاحب الطراز : وقاله مالك في الغافل والمضغوط ، وقال أشهب ، وابن وهب : يركع ويتبعه في الأولى وغيرها ، ما لم يرفع من السجود ، قال أبو الطاهر : وقيل يتبعه ما لم يعقد الثانية ، وسبب الخلاف : هل القيام فرض على المأمور لا يسقطه إلا عذر السبق فيكون الشروع فيه مانعا من الاتباع أو ليس بفرض قياسا على المسبوق فلا يكون مانعا ، وإذا قلنا بالسجود فقيل السجدتان ، وقيل الواحدة مانعة ; لأنها فرض صحيح ، وإذا قلنا ما لم يعقد الركعة فهل عقدها بوضع اليدين أو الرفع قولان ، وقيل لا يتلافى في الأولى ولا في غيرها ; لأن المشروع عقيبه وهذا قد فات . ووجه الأول قوله عليه [ ص: 276 ] السلام : ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا . وقد فاته الركوع فيجب عليه قضاؤه ; لأنه يترك متابعة الإمام في واجب ، وقياسا على المسبوق ، ووجه الثاني ما في مسلم أنه - عليه السلام - صفهم في صلاة الخوف صفين فصلى بالذين يلونه ركعة ، ثم قام فلم يزل قائما حتى صلى الذين خلفه ركعة ، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعة ، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ، ثم سلم وهذا أصل فيمن أحرم مع الإمام وعاقه عذر عن الركوع حتى ركع فإنه يركع ويتبعه ، قال : فلو ركع في الأولى ونعس عن سجودها فعن مالك و ش أنه كالركوع ، وعن مالك أيضا وأشهب وح الفرق ، وجه الأول أنها إنما تكمل بسجودها . وجه الثاني ما في مسلم أنه - عليه السلام - صلى بعسفان صلاة الخوف والعدو تجاههم فأحرم بالصفين ، فلما ركعوا سجد بأحدهما ، ولم يسجد الثاني حتى قام - عليه السلام - إلى الثانية وهو أصل في كل من عاقه عذر بعد الركوع عن السجود ، قال صاحب الطراز : وفرق ابن عبد الحكم بين الجمعة وغيرها لتأكد الجماعة في الجمعة ، قال : فلو نعس في الرابعة عن الركوع لا يكون السلام مانعا عند ابن القاسم وأشهب ، وقال ابن القاسم : في الكتاب إذا زوحم يوم الجمعة عن السجود في الأولى حتى ركع الإمام في الثانية ، وعنه في الثانية حتى سلم يصلي ظهرا أربعا ، وقال ابن حبيب : يتبعه ولو أدرك الأولى وزوحم عن سجود الثانية حتى سلم الإمام ، فقيل يستأنف الركعة بناء على أن [ ص: 277 ] السلام بمنزلة الركعة ، قال : وحيث قلنا يبني الناعس ، فسوى ابن القاسم بين المزاحم وح وش ولابن القاسم أيضا لا يبني في المزاحم ; لأنه صنع للآدمي .

السابع : قال في الكتاب : إذا أدرك مع الإمام ثلاثا قام بغير تكبير ; لأن الإمام حبسه وليس له بجلوس ، بخلاف ما لو أدرك اثنتين ، وضابط ذلك أن من أدرك فردا قام بغير تكبير أو زوجا قام بتكبير ، قال صاحب الطراز : قال ابن حبيب : إذا أدرك وترا قام بتكبير ; لأنه متنفل ، وجه المذهب أنه زيادة على تكبير الصلاة فيفتقر إلى نص ، قال : وقال مالك في العتبية : يقوم بغير تكبير في الشفع بناء على أنه قاض للماضيتين ، والذي شرع في أولهما تكبيرة الإحرام وقد تقدمت فإن أدركه في الجلوس الأخير ، قال في الكتاب : يقوم بتكبير خلافا للشافعية محتجين بأنه قد كبر قائما ولم يشرع في أول الصلاة غير تكبيرة ، جوابهم أنه الآن كما شرع في أول صلاته ولم يكبر فيكبر ، قال صاحب الطراز : ويتخرج على قول مالك في العتبية أنه لا يكبر إذا أدرك شفعا أنه لا يكبر هاهنا ، وقال مالك في المختصر : إن وجده جالسا كبر للإحرام فقط أو راكعا أو ساجدا كبر للإحرام والركوع والسجود ، وقاله ش في الجلوس ، واختلف أصحابنا في الركوع والسجود ، والفرق أن التكبير مشروع للوصول في الركوع والسجود والخروج منهما فمن دخل مع الإمام فيهما كبر لهما ، وأما القيام والجلوس فليس لهما تكبير فالداخل فيهما لا يكبر ، وإذا جلس معه يتشهد ، قاله صاحب الطراز خلافا لبعض الشافعية لقوله عليه السلام : ما أدركتم فصلوا . قال : فلو وجده في جلوس [ ص: 278 ] الصبح يحرم ويجلس إلا أن يكون لم يركع الفجر فيجلس ولا يحرم ، فإذا سلم ركع الفجر وأحرم .

الثامن : قال في الكتاب : إذا أدرك الأخيرة من الرباعية قرأ فيها بأم القرآن وحدها ، وفي التي بعد سلام الإمام بالحمد وسورة ويجلس ، ثم بالحمد وسورة ، ثم بالحمد وحدها ويقضي ما فاته جهرا إن كان جهرا ، واتفق أرباب المذهب على أن من فاته ركعتان قضاهما بالحمد وسورة ، وقال صاحب النوادر : ولا خلاف بين مالك وأصحابه أن القاضي إنما يفارق الباني في القراءة فقط ، وفي الجواهر اختلف المتأخرون في مقتضى المذهب على ثلاث طرق ، طريقة أبي محمد وجل المتأخرين أن المذهب على قول واحد في البناء في الأفعال ، والقضاء في الأقوال ، وطريقة القرويين أن المذهب على قولين في القراءة خاصة ، وعلى قول واحد في الجلوس ، وطريقة اللخمي أن المذهب على ثلاثة أقوال : بان في الأفعال والأقوال ، وقاض فيهما ، وقاض في القراءة فقط .

تنبيه :

يقال أفعال الصلاة كلها واجبة إلا ثلاثة : رفع اليدين مع تكبير الإحرام ، والجلسة الوسطى ، والتيامن في السلام ، وأقوال الصلاة كلها ليست بواجبة إلا ثلاثة : تكبيرة الإحرام ، وقراءة الحمد ، والسلام ، ولما اختلفت روايات الحديث في القضاء والبناء جمع بين الروايتين بتخصيص القضاء بالأقوال ; لضعفها بكثرة عدم الوجوب فيها ، قال صاحب الطراز : ولا يقنت المسبوق في قضاء الصبح على ما في الكتاب ; لأنه قاض لما فاته وعلى القول الآخر يقنت ، قال : وقد قال في الكتاب : إذا أدرك ركعة من ركعات المغرب صارت صلاته جلوسا كلها .

[ ص: 279 ] وهذا لا خلاف فيه ، وبه استدل أصحابنا والشافعية على الحنفية حيث جعلوه إذا أدرك الرابعة جعلها آخر صلاته ويبتدئ بالثالثة القضاء بغير قراءة ; لأن القراءة لا تجب عنده في الآخرتين ، ثم بالأولى بالقراءة وأما الرباعية فلا تصير جلوسا كلها إذا فاتته الأولى أدرك الثانية وفاته الباقي برعاف ، أو أدرك المقيم خلف المسافر ركعة ، قال ابن حبيب وابن المواز : يأتي بالثانية ويجلس وبالثالثة يجلس ; لأن منها يقوم إلى قضاء الأولى عندهما ، وعند سحنون لا يجلس .

التاسع : قال ابن القاسم في العتبية : إذا استفهم الإمام بركعتين ، فأفهم بعضهم فيهما بعد سلامه أحب إلي أن يعيدوا بعد الوقت ، وكذلك إذا كانوا مقيمين ومسافرين فقدم المقيمون أحدهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث