الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الشرط الأول اللبث في المسجد

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 534 ] الباب التاسع في الاعتكاف .

وأصله الاحتباس ، والعكف الحبس ، ومنه قوله تعالى : ( والهدي معكوفا ) . ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ) . ( وأنتم عاكفون في المساجد ) . وعكف يعكف - بضم الكاف وكسرها - وهو في الشرع : الاحتباس في المساجد للعبادة على وجه مخصوص ، وفيه خمسة فصول :

الفصل الأول : في شروطه .

وهي ثلاثة :

الشرط الأول : اللبث في المسجد خلافا لابن لبابة ; لما في أبي داود : قالت عائشة - رضي الله عنها - : السنة على المعتكف ألا يعود مريضا ، ولا يشهد جنازة ، ولا يمس امرأة ولا يباشرها ، ولا يخرج لحاجة إلا لما بذمته ، ولا اعتكاف إلا بصوم [ ص: 535 ] ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع ، وفي الكتاب : يخرج لغسل الجمعة وغسل الجنابة ، ولا يغسل ثوبه إذا خرج ، ويخرج لشراء الطعام ثم يرجع عنه لأنه يمكنه إعداد ذلك والاستنابة فيه . قال سند : وإذا قلنا يخرج فلا يتحدث مع أحد ، فإن فعل وطال قطع التتابع ، وإن تحدث من غير وقوف لم يضر ، قال ابن القاسم في الكتاب : إن خرج لدين له أو غلبه أحد فسد اعتكافه ; لإعراضه عن ملازمة العبادة التي هي رفيقة الاعتكاف ، قال سند : وروى ابن نافع إن أكرهه القاضي أحب إلي أن يستأنف ، فإن بنى أجزأه لعجزه عن دفع الإكراه كقضاء حاجة الإنسان . قالمالك : ( . . . . . . . . ) - الإمام أطلقه حتى يخرج إذا لم يعتكف فرارا ، فإن نفد صبر صاحب الدين أو طالت المدة ، أحضره أو وكيله ، ويؤخره في الحد لأنه يسقط بالشبهة ، فإن أخرجه جاز لوجوبه ، قال مالك : ويؤدي الشهادة في المسجد ولا يخرج ، وفي الكتاب : ليس له أن يشترط ما يغير سنة الاعتكاف ولا أنه متى شاء خرج ، ولا تعتكف المرأة في مسجد بيتها - وقاله ابن حنبل خلافا ل ( ح ) ، و ( ش ) محتجين بما في الموطأ أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يعتكف ، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه ، وجد أخبية : خباء عائشة ، وخباء حفصة ، وخباء زينب ، فلما رآها سأل عنها فقيل له : هذا خباء عائشة وحفصة وزينب ، فقال : - صلى الله عليه وسلم - : " ألبر تقولون بهن " ، ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شوال .

وجوابه : أنه حجة لنا من جهة فعلهن لذلك ، فدل على أنه معلوم عندهم ، وإنكاره - صلى الله عليه وسلم - لم يصرح فيه بأنه للمسجد ، بل لكونهن قصدن القرب منه غيرة عليها ، فخشي عليهن ذهاب الأجر ، ولأنه شرط للرجال فيكون للنساء كالجمعة . وفي الكتاب : من تلزمه الجمعة لا يعتكف إلا في المسجد الجامع ، وإلا ففي أي [ ص: 536 ] مسجد شاء . قال ابن حنبل ، و ( ح ) : لا يعتكف إلا في مسجد تقام فيه الجماعة ; لوجوبها عند ابن حنبل وترك فضيلتها عند ( ح ) .

لنا عموم قوله تعالى : ( وأنتم عاكفون في المساجد ) . قال سند : فإن اعتكف في غير الجامع فأتت الجمعة خرج اتفاقا ، ويبطل على المشهور ; لأنه أدخله على نفسه بغير ضرورة - وقاله ( ش ) ، وروي عن مالك الصحة - وقاله ( ح ) ; لأن الخروج إليها مستثنى شرعا ، كما استثني للغائط طبعا ، فإن لم يخرج يختلف في بطلان اعتكافه بالمعصية الصغيرة ، أو لا يبطل إلا بالكبيرة ، وإذا خرج قال مالك : يتم اعتكافه بالجامع ، وقال عبد الملك : يعود إلى مسجده لتعينه باعتكافه ، ولأنه لو خرج إلى البول لا يدخل مسجدا هو أقرب من الأول ، ولو كانت الأيام لا تأتي فيها الجمعة فمرض فخرج ثم رجع لتكميل الاعتكاف فأتت الجمعة فيه . . . بينه ، وبين الأول لذهاب المتابعة ، وفرق عبد الملك . . . ولو كانت الأيام تأتي فيها الجمعة فحدث له عذر يسقطها صح اعتكافه ، وفي الكتاب : يعتكف في عجز المسجد ورحابه ، واختلف قوله في صعود المؤذن السطح والمنار بالكراهة والإباحة ، والأول المشهور . قال سند : الرحبة ما كان مضافا إلى المسجد وإن كان خارجه ، ويكون لها حكم المسجد ، وقال الباجي : معناه داخل المسجد ، ولا يصح خارجه ، وظاهر قول مالك خلافه ، وأجاز مالك لمن اعتكف بمكة دخول الكعبة ; لأنها في حكم المسجد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث