الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الأول فيما يباح للمختار

جزء التالي صفحة
السابق

( فروع خمسة )

الأول : السباع ، وفي ( الجواهر ) : هي مكروهة على الإطلاق من غير تفصيل في رواية العراقيين ، وهو ظاهر الكتاب ، وظاهر الموطأ التحريم ، [ ص: 100 ] وقاله الأئمة ، وقال ابن حبيب : لم يختلف المدنيون في تحريم العادي كالأسد والنمر والذئب والكلب ، وأما غير العادي كالضب والثعلب والضبع والهر الوحشي والإنسي ، فمكروه .

وقال ابن كنانة : كل ما يفترس ويأكل اللحم فلا يؤكل ، وغيره يؤكل . لنا : قوله تعالى : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ) فخرجت السباع عن التحريم .

وورد عليه أسئلة : الأول : أن هذا أجاز عن الماضي من الوحي ، فيبقى المستقبل ، فيبطل الحصر .

وثانيها : ينتقض بذبائح المجوس . وثالثها : أنها مكية ، ووجود الوحي بعد ذلك بالمدينة معلوم ، ورابعها : في الموطأ : قال ، عليه السلام : ( أكل كل ذي ناب من السباع حرام ) زاد في مسلم ( وذي مخلب من الطير ) .

والجواب عن الأول : أن ( لا ) لنفي المستقبل دون الماضي ، فليس صرفها للماضي بأولى من صرف الماضي الذي هو أرجى إلى الحالة المستمرة المشتملة على الماضي والحال والاستقبال ، بل هذا أولى ; لأن التصرف في الفعل أولى من الحرف ; لأنه محل التصريف والتصرف ، وعن الثاني : أن قيام الدليل على التخصيص لا يمنع من التمسك بالنص . وعن الثالث : أن قوله : ( لا أجد ) عام في المستقبل ، وخبره - عليه السلام - حق . وعن الرابع : أنه محمول على الكراهة جمعا بين الدليلين . سلمنا أنه للتحريم لكنه ينتقض بالثعلب ، والضبع مع قول الخصم بإباحتهما . سلمنا [ ص: 101 ] عدم المنتقض لكن إضافة المصدر إلى الفاعل أولى من المفعول ، فيكون ذو الناب هو الآكل ، فيحرم علينا ما افترسه ، ونحن نقول به .

تمهيد : أجرى الله تعالى عادته بتغيير الأغذية للأخلاق حتى وصف الأطباء قلوب الأسود من الوحش والطير للشجاعة وقوة القلب ، فمن أكل منها شيئا استحال طبعه إليه ، والسباع ظالمة غاشمة قاسية بعيدة من الرحمة ، فمنع الله تعالى بني آدم من أكلها لئلا يصير كذلك ، فتبعد من رحمته بكثرة الفساد والعناد ، فمن العلماء من نهضت عنده هذه المفسدة للتحريم ، ومنهم من لم تنهض عنده إلا للكراهة .

الثاني : ذوات الحافر المقانسة ، وفي الجواهر : الخيل مكروهة ، وقال ( ح ) : دون كراهة السباع ، وقيل : مباحة ، وقاله ( ش ) ، وابن حنبل ، وقيل : محرمة ( والبغال والحمير لتركبوها ) ( النحل : 8 ) فلو كانت يجوز أكلها لكان الامتنان به أولى ومذكورا مع الركوب . قال اللخمي : الخيل أخف من الحمير والبغال بينهما ، وفي الصحيحين : ( نهى - عليه السلام - عن أكل لحوم الحمر الأهلية ، وأذن في لحوم الخيل ) .

فرع

في ( الكتاب ) : إذا دجن حمار وحش وصار يحمل عليه لم يؤكل عند مالك نظرا لحاله الآن ، وأجازه ابن القاسم نظرا لأصله .

الثالث : ما اختلف في أنه ممسوخ كالفيل والدب والقنفد والقرد [ ص: 102 ] والضب ، وفي الجواهر : اختلف في إباحته وتحريمه لنهيه - عليه السلام - عن ثمن القرد . ولو أبيح أكله لم يحرم ثمنه ، وقيل : يجوز القرد إن كان يرعى كل الحشيش . قال أبو الوليد : ظاهر المذهب عدم التحريم .

تنبيه : في مسلم : ( سئل - عليه السلام - عن أكل الضباب ، فقال - عليه السلام - : إن أمة مسخت وأخشى أن يكون منها ، ثم قال بعد ذلك أن الممسوخ لا يعقب ) في حديث آخر ، وهذا هو الصحيح ، فإنه - عليه السلام - كان يخبر بالأشياء مجملة ، ثم يفصل له ، فيقدم التفصيل على الإجمال ، وكذلك أخبر بالدجال مجملا ، فقال حينئذ : ( إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم ، وإن لم أكن فيكم فالمرء حجيج نفسه ، والله خليفتي عليكم ) ثم أخبر أنه إنما ينزل في آخر الزمان ، فتعليل هذه بالسبعية والاستخباث أولى .

الرابع : الحيوانات المستقذرة ، ففي الجواهر : يحكي المخالفون لنا عنا جوازها ، وهو خلاف المذهب لقوله تعالى : ( ويحرم عليهم الخبائث ) ( الأعراف : 157 ) وقاله الأئمة ، وأباح ابن حنبل الضب ; لأنه أكل على [ ص: 103 ] مائدته - عليه السلام - ولم ينكره ، خرجه مسلم .

واتفق الأئمة على إباحة الجراد لقوله - عليه السلام - في البخاري : ( إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء ) والغالب موته ، فلو كان ينجس بالموت لما أمر بذلك صونا للطعام عن النجاسة ، فيكون أصلا لا نفس له . وقوله ، عليه السلام : ( أحلت لي ميتتان الحوت والجراد ) والعجب من نقل الجواهر مع قوله في الكتاب : لا بأس بأكل الجلد والوبر .

وإذا ذكيت الحيات موضع ذكاتها جاز أكلها لمن احتاج إليها ، ولا بأس بأكل خشاش الأرض ، وهو مما إذا ذكيت ذكاة الجراد . وتؤكل الضفادع وإن ماتت ; لأنها من صيد الماء ، والحلزون كالجراد ، فيؤكل منه ما سلق ، أو شوي ، وما مات فلا ، فأي شيء بقي من الخبائث بعد الحشرات والهوام والحيات .

فائدة : ذكاة الحيات لا يحكمها إلا طبيب ماهر ، وصفتها : أن يمسك برأسها وذنبها من غير عنق ، وهي على مسمار مضروب في لوح ، يضرب بآلة حادة رزينة عليها ، وهي ممدودة على الخشبة في حد الرقيق من رقبتها وذنبها من الغليظ الذي هو وسطها ، ويقطع جميع ذلك في فور واحد بضربة واحدة ، فمتى بقيت جلدة يسيرة فسدت وقتلت بواسطة جريان السم [ ص: 104 ] من رأسها في جسمها بسبب عصبها أو ما هو قريب من السم من ذنبها في جسمها ، وهذا معنى قوله : موضع ذكاتها .

فرع

قال اللخمي : قال مالك في ( الكتاب ) : لا أكره الجلالة من الأنعام ، ولو كرهت ذلك لكرهت الطير الآكل للنجاسة ، وكرهها ابن حبيب وحرمها ( ش ) إن تغيرت رائحة لحمها ، وإلا فلا ، وقال ابن حنبل : إن كان أكثر علفها النجاسة حرم لبنها ولحمها ، وفي بيضها قولان له لما في أبي داود : ( نهى - عليه السلام - عن أكل الجلالة وألبانها ) .

وأما النبات المسقي بالنجاسة . قال اللخمي : كرهه مالك وأباحه ( ش ) وفرق بينه وبين الحيوان ، فإن نفس النجاسة المستقذرة يشاهد دخولها في الحيوان ، فتعافه النفوس ، فيصان الإنسان عنه بخلاف النبات .

فائدة : الجلالة مشتقة من الجلة بكسر الجيم ، وشد اللام ، وهي العذرة .

تمهيد : قد يتخيل الفقيه أن الجواب عن قوله تعالى : ( ويحرم عليهم الخبائث ) عسير ، وليس كذلك لقوله : ( والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ) ( الأعراف : 58 ) ، والمراد ضعف الإنبات ، وقوله تعالى : ( الخبيثات للخبيثين ) ( النور : 26 ) والمراد العصاة ، وقوله تعالى : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) ( البقرة : 167 ) والمراد به الدنية ، وقوله تعالى : ( ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ) ( إبراهيم : 26 ) المراد به المؤلمة ، وإذا كان الخبيث يطلق على معان مختلفة بقي محتملا ، فسقط [ ص: 105 ] الاستدلال به ، أو يحمل على المستبعد في نظر الشرع ; لأن القاعدة حمل كلام كل متكلم على عرفه ، والبعد في نظر الشرع إنما يعلم بدليل شرعي ، والنزاع فيه .

الخامس : الطير ، ففي الجواهر : كله مباح ذو المخلب وغيره ، وقاله في الكتاب . وروي عن مالك لا يؤكل ذو المخلب ، وقاله ( ش ) وابن حنبل لنهيه - عليه السلام - في الحديث المتقدم عنه ، والجواب عنه : أنها زيادة لم يروها الزهري ولا مالك ولا غيرهما ، والمنفرد بها قليل الرواية .

والفرق المشهور بأن الاستخباث في الظلم والسبعية في السباع والوحش أعظم ، وهو علة التحريم ، والقصور في العلة يمنع من الاستواء في الحكم .

وفي الكتاب كراهة الخطاف ونحوها . قال أبو الطاهر : ولعله لقلة لحمها فيكون تعذيبا من غير فائدة ، وقال الأستاذ أبو بكر : يؤكل جميع الحيوان من الفيل إلى النمل والدود وما بين ذلك ، إلا الآدمي والخنزير ، وهو عقد المذهب في رواية العراقيين إلا أن منه مباحا ومنه مكروها .

وأما النبات والجماد : ففي الجواهر تحريم ما كان نجسا ، فإن خالط الطاهر نجس ، فالمائع يطرح جميعه ، والجامد تطرح النجاسة وما حولها ويؤكل ، وقد تقدم في كتاب الطهارة دليله وتفصيله ، ولا يؤكل المغير بالأجسام ، وقاله ( ش ) وابن حنبل .

ويكره آكل الطين ، وحرمه عبد الملك لإفساده الأجسام ، وما كان طاهرا ولا ضرر فيه أبيح .

وحرم ( ش ) المخاط والمني ، وإن كان طاهرا عنده ، ونحوهما من المستقذرات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث