الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                الفصل الثاني : في عيوب الرجال ، وفي الكتاب : قال ابن المسيب : للمرأة رد الرجل بالعيوب الأربعة ، وقاله ( ش ) ، وابن حنبل لقوله تعالى : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) ( البقرة : 228 ) ، قال مالك : ترده بالجب ، والخصاء بطلقة بائنة خلافا ل ( ش ) في كونه فسخا كالبيع ، وجوابه : أن العقد صحيح فلا يدفع حكمه إلا الطلاق ; لأنه الواقع المجمع عليه ، وما عداه ممنوع ثم الفرق : أن الإملاك يؤثر الاختيار في إسقاطها بالإعراض عنها فأمر في رفعها بالإقالة والفسخ بخلاف النكاح ، قال : وعليها العدة بعد الدخول إن وطئ ، وإلا فلا ، وإن قطع ذكره دون أنثييه ، وهو يولد لمثله فعليها العدة ، ويلحقه النسب ، وإن علمت بعيبه قبل العقد أو بعده ، ومكنته سقط قولها إلا في العنة ; لأنها ترجو علاجه ، قال الأبهري : ولها المفارقة بطلقة واحدة بائنة لا أكثر ، قال ابن يونس : إن فارقت قبل البناء فلا صداق ; لأن الفسخ من قبلها ، قال ابن الجلاب إلا في العنين ; لأنه غار لها ، قال ابن يونس : أو بعده فلها كمال المهر .

                                                                                                                وعيوب الرجل أربعة : الجب : وهو قطع الذكر والأنثيين ، والخصاء : وهو قطع أحدهما ، والعنة : وهو فرط صغر الذكر ، والاعتراض : وهو [ ص: 429 ] عدم القدرة على الوطء لعلة ، ويسمى أيضا عنة ، فإن العنة من الاعتنان والعنن ، وهو الاعتراض ، ومنه عنان السماء بفتح العين جمع عنانة : وهي السحابة المعترضة بين السماء والأرض ، وقيل : لأن ذكره يعترض قبل المرأة ، وقيل : لأن الآفة عرضت له ، وفي التنبيهات : الخصي مقطوع الأنثيين فقط ، والفقهاء يطلقونه على مقطوع الذكر والأنثيين .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : يضرب للمعترض سنة من يوم ترافعه ، وقاله الأئمة وعمر وابن مسعود : لاحتمال تغير العلة في أحد الفصول الأربعة ، فإن لم يصبها في الأجل فلها الفرقة بطلقة بائنة خلافا ل ( ش ) ، وابن حنبل ، وتقدم جوابهما ، وتعتد لوجود مظنة الوطء ولحق الولد ، ولها جميع الصداق لطول المدة ، وإخلاق الجهاز ، وقيل : لها نصف الصداق لعدم الوطء لظاهر القرآن ، قال ابن يونس : يضرب للعبد نصف سنة ; لأن تحديد مدة النكاح عذاب ، ويتشطر لقوله تعالى : ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) ( النساء : 25 ) ، ولأنه مقرب من الفراق وهو عذاب ، وقيل : سنة ، وقاله ( ش ) ; لأن الضرب رفق به ، وانتقال الأمراض في الفصول لا يختلف بالرق ، والضرب هاهنا من يوم المرافعة ; لأنه معذور بخلاف المولي من يوم الحلف ، ولأنه يقول : رجوت المسامحة فأخرت المعالجة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : ولو اختلفا في العنة فالقول قوله ، وقاله ( ش ) خلافا لابن حنبل ; لأن الأصل السلامة كعيب المبيع ، وإذا قال : جامعتها في الأجل فكذلك [ ص: 430 ] لأنها مدعية استحقاق الفراق ، وقال ( ش ) : القول قولها نظرا للأصل ، وقال ابن حنبل : البكر ينظر إليها النساء ، والثيب يقال : أخرج ماءك ؟ ، فإن العنين يعجز عن الإنزال ، فإن تنازعا في كونه منيا ، وضع على النار ، فإن المني يذوب ، وفي الكتاب : يحلف ، فإن نكل فرق بينهما ، فإن نكلت بقيت زوجة ، ونزلت في المدينة فأفتى فيها غير مالك بأن يجعل الصفرة في فرجها ، وقيل : تجعل النساء معها ، قال صاحب التنبيهات : الذي أفتى بالصفرة هو ابن أبي صفرة لكن بعكس ما في الكتاب : قال تجعل على ذكره ، وتلتمس في فرجها ، وقال ابن كنانة مفسرا للكتاب : تبطح على ظهرها في الأرض ، ويكشف هو ما خلفها لئلا يجعل الصفرة بإصبعه ولم يقله غيره ، بل مواضع الوطء لا يصلها الإصبع ، وقيل : يجعل النساء معها ، وفي الجواهر : وروى ابن حبيب : لا يحلف إلا بعد الأجل ، ودعوى الإصابة ، ثم حيث ثبت لها الخيار فأقامت فروى ابن القاسم : لها الفراق من غير سلطان لتقدم الحكم ، ومذهب ( ش ) : لها خيار الفسخ مطلقا من غير حاكم كالإقامة في البيع ، وروي عن مالك : لا بد من السلطان فيفرق بينهما من غير أجل ; لأنه أمر مختلف فيه فلا يثبت إلا بالحاكم ، وهو حجتنا على الشافعي في أصل العنة من جهة أنه أمر يحتاج إلى نظر بخلاف البيع ، والفرق بينهما : أن يؤمر هو بإيقاع الطلاق ، فإن امتنع أوقع الحاكم ، فإن وطئها ثم اعترض عنها أو زمن فلا حجة لها ، وقال ( ش ) : السقوط حقها بالوطأة الأولى إلا مع قصد الضرر كالمولي ، وإن أصابها ثم طلقها ثم تزوجها فلها مرافعته ; لأنها لم ترض بالعيب ، قال اللخمي : قال عبد الوهاب : ، ويضرب له أجل ثان ، فإن أصاب وإلا خيرت ; لأنها كانت تتوقع [ ص: 431 ] برءه ، قال : وأرى أن لا مقال لها ; لأنها علمت بالعيب ، وكذلك إذا تزوج غيرها ، وعلمت الثانية بما تقدم أو ضرب له أجل فلم يصب ، ورضيت بالمقام ثم قامت ، قال ابن القاسم : لها ذلك من غير أجل ، وقال ابن حبيب : إن قامت بقرب ذلك فلا مقال : والقياس في هذا كله : عدم مقالها .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : ولا يضرب الأجل إلا لمن يرجى ولم يعالج قبل ذلك سنة ، فإن مرض في أجله لم يعتبره ابن القاسم ، وقال أصبغ : إن مضت السنة ، وهو مريض استؤنف الأجل ، وقال عبد الملك : إن مرض بعضها لم تطلق عليه لاحتمال أن يكون المرض مانعا من زوال علته ، قال : وأرى أن يستأنف إن مرض جميعها ، فإن صح النصف الثاني : كمل عليه ، وإن صح الأول : استؤنف الأجل .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الجواهر : إذا ادعت العيب وأنكر ، فالمجبوب ، والمحصور ، وممسوح الذكر وحده أو مع الأنثيين مختبر بالجس من على الثوب ، والقول قول العنين ، قال اللخمي : أجاز مالك في ذلك قول امرأة واحدة ، قال : وأرى أن تسأل المرأة ، فإن شكت عدم الانتشار نظر إليه من فوق ، فإن قالت : يذهب انتشاره إذا دنا فيجوز أن تصدق ; لأن ذلك يعرض ، ويجوز أن لا تصدق ; لأنها مدعية حدوث علته .

                                                                                                                [ ص: 432 ] فرع

                                                                                                                في الكتاب : لولاة المياه وصاحب الشرط ضرب أجل العنين والمفقود ; لأنهم حكام .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                إذا حدث بالزوج جنون بعد النكاح عزل عنها ، وأجل سنة لعلاجه ، فإن صح ، وإلا فرق بينهما ، وقضى به عمر - رضي الله عنه - وقال ربيعة : إن أذاها لم تحبس عنده ، وإلا لم يجز طلاقه ، ولها مفارقة البين الجذام ، قال ابن القاسم : إن رجي علاجه ضرب له الأجل ، قال ابن يونس : قال سحنون : يفرق بالبرص المنتن الرائحة ، قال ابن القاسم : ذلك إن أضر بها ، وفي الجلاب : روي الرد بالبرص كما ترد به المرأة ، وروي عدم الرد ; لأن الرجل لا يقصد للاستمتاع كالمرأة .

                                                                                                                قال الأبهري : وقال ابن حبيب : يرد بها قبل العقد ، وإن لم يكن فاحشا دون ما حدث بعده ، إلا أن يكون فاحشا مؤذيا ، قاله مالك ، وأصحابه ، وفي البيان : المشهور إذا حدث الخصاء بعد البناء لا مقال له لنيلها الوطء الذي تناوله العقد ، وقال أصبغ : إن خصي قبل الدخول فكذلك أيضا ; لأنها مصيبة نزلت بها ولم يقصد ضررها ، والمشهور خلافه .

                                                                                                                [ ص: 433 ] فرع

                                                                                                                في الجلاب : إذا فرق بين العنين وامرأته بحداثة نكاحه : ففي تكميل الصداق روايتان ، ويكمل المجبوب والخصي بعد البناء لدخولهما على عدم الوطء .

                                                                                                                سؤال : كيف يفرق بينهما بحداثة النكاح مع أنه لا يدمن من ضرب أجل سنة اتفاقا ؟ جوابه : تقع الفرقة لعدم النفقة أو المضارة وغيرهما قبل السنة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : من سرمد العبادة ، وترك الوطء لم ينه عن تبتله ، بل يخير بين الوطء والفراق إن طالبته ، وفي الجلاب : إذا هرم الرجل لم يفرق بينهما لدخولهما على ذلك .

                                                                                                                تمهيد قال اللخمي : العيوب ثلاثة : ما يجب استحسانا ، فإن عقد معه صح : كالقطع ، والعمى ، والشلل ، وما يجب على الولي اجتنابه كالجنون ، والجذام البين ، ومختلف فيه وهو غير ذلك ، فإن زوجها من خصي أو مجنون على وجه النظر لزمها ، وقيل : لا مقال لها في الجذام الفاحش ، وقال سحنون : لها المقام في الجنون ، والجذام ، وغير الكبر ; لأنه ضرر ، ولو كانت المجنونة اغتفر عيبه لعيبها ، قال اللخمي : فإن كان ذاهب الأنثيين فقط ، قال سحنون : مضى نكاحه ، ولا مقال لها في عدم النسل كالعقم ، وقال مالك : يرد لنقص جماعه ، قال : والأول أبين ، وللمرأة رده بقطع الحشفة ، وقول سحنون في المجنونة لا يستقيم ; لأن مجنونين لا يجتمعان ، بل إذا اطلع كل واحد من الزوجين على عيب صاحبه فلكل واحد منهما القيام ، [ ص: 434 ] وإن كانا من جنس واحد كجذام ، وجذام أو غيره .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية