الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1654 1655 - مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن القاسم أن أسلم مولى عمر بن الخطاب أخبره أنه زار عبد الله بن عياش المخزومي فرأى عنده نبيذا وهو بطريق مكة ، فقال له أسلم : إن هذا الشراب يحبه عمر بن الخطاب ، فحمل عبد الله بن عياش قدحا عظيما ، فجاء به إلى عمر بن الخطاب فوضعه في يديه ، فقربه عمر إلى فيه ثم رفع رأسه ، فقال عمر : إن هذا لشراب طيب ، فشرب منه . ثم ناوله رجلا عن يمينه ، فلما أدبر عبد الله ، ناداه عمر بن الخطاب فقال : أأنت القائل لمكة خير من المدينة ؟ فقال عبد الله : فقلت هي حرم الله وأمنه وفيها بيته ، فقال عمر : لا أقول في بيت الله ولا في حرمه شيئا ، ثم قال عمر : أأنت القائل لمكة خير من المدينة ؟ قال : فقلت هي حرم الله وأمنه وفيها بيته ، فقال عمر : لا أقول في حرم الله ولا في بيته شيئا ثم انصرف .

[ ص: 64 ]

التالي السابق


[ ص: 64 ] 38713 - قال أبو عمر : روى هذا الخبر ابن بكير ، ويحيى بن يحيى ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن القاسم .

38714 - ورواه القعنبي ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، لم يذكر فيه يحيى بن سعيد ، وقد تابع كل واحد منهما طائفة من رواة " الموطأ " .

38715 - وأما النبيذ الذي قال فيه عمر : " إن هذا الشراب طيب " ، فقد مضى في كتاب الأشربة من هذا الديوان ما يفسر الطيب وغير الطيب ، وكل شراب حلو لا يسكر الكثير منه فهو الطيب ، وما أسكر فهو الخبيث لا الطيب .

38716 - وأما مناولة عمر من عن يمينه فضلة شرابه ، فهي السنة ، وسيأتي ذلك في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله ( عز وجل ) .

38717 - وأما قول عمر لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي : أنت القائل : لمكة خير من المدينة ، فقد ظن قوم أن ذلك حجة في تفضيل المدينة على مكة ، وأن ظاهر قول عمر هذا في تقريره وتوبيخه عبد الله بن عباس بذلك القول دليل على تفضيل عمر المدينة على مكة .

38718 - وهذا عندي ليس كما ظنوا ، وفي لفظ الحديث ما يدل على غير ما ظنوا من ذلك - والله أعلم - لأنه لم يقل من ذلك : أنت القائل : لمكة أفضل من المدينة . وإنما قال له : أنت القائل : لمكة خير من المدينة . وخاف منه عمر [ ص: 65 ] أن يمدح مكة ويزينها لمن هاجر منها ، فيدعوه ذلك إليها ، وخشي عبد الله بن عياش من عمر في ذلك درته وسطوته ، ففزع إلى الفضل الذي لا ينكره عمر ، وجادله عما أراد منه فقال : هي حرم الله وأمنه ، وفيها بيته يعني وليست كذلك المدينة ، وأقر له عمر أنه لا يقول في حرم الله ( عز وجل ) وأمنه ، ولا في بيته شيئا ، وأعاد عليه عمر قوله ، فأعاد عليه عبد الله بن عياش من قوله ما لم ينكره ، كأنه قال له : لم أسألك عن التفضيل ، ولا الفضائل ، وسكت لما سمع منه من فضل مكة ما ليس بالمدينة ، ولم يحتج معه إلى ذلك خيرات المدينة ، ومعلوم أن خيرات المدينة كانت حينئذ أكثر : من رطبها وتمرها ، وحرثها ، ودروب العيش فيها أغزر لاجتماع الناس به للمتاجر والمكاسب لأن الخير أكثر في البلاد الكبار وحيث الأئمة والسلطان ، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم .

388719 - فهذا عندي معنى خبر عمر مع عبد الله بن عياش المخزومي ، والله تعالى أعلم .

38720 - ومن الدليل على أن لفظ " خير " ليس بمعنى أفضل ما روي أن عقيل بن أبي طالب ، وكان أحد الفصحاء ، لما أعطاه معاوية عطاء جزلا قال له : من خير لك ، أنا أو أخوك ؟ فقال له : أنت خير لي من أخي ، وأخي خير لنفسه [ ص: 66 ] منك ، ومعلوم أن أخاه علي بن أبي طالب ، كان عنده أفضل أهل زمانه ، ولكن معاوية كان خيرا له في دنياه .

38721 - وقد ذكر معاوية لابن عمر ، فقال : كان أسود ممن كان قبله ، يعني الخلفاء قال : وكانوا أفضل منه .

38722 - والدليل أيضا على صحة ما تأولناه على عمر في هذا الخبر ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني ، وأبو يحيى بن أبي ميسرة المكي ، بمكة قال : حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن زياد بن سعد ، عن سليمان بن عتيق قال : سمعت عبد الله بن الزبير يقول : سمعت عمر بن الخطاب يقول : " صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في ما سواه من المساجد ، إلا مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنما فضله عليه بمائة صلاة " .

38723 - وأما مالك - رحمه الله - فلم يختلف عنه أصحابه في أن المدينة أفضل من مكة ، ومن سائر البلاد ، وكان يقول : مما خص الله - عز وجل - به المدينة من الخير ، أنها محفوفة بالشهداء ، وعلى أنقابها ملائكة ، لا يدخلها الطاعون ، ولا الدجال ، وهي دار الهجرة والسنة ، وبها كان ينزل القرآن يعني الفرائض والأحكام ، وبها أخيار الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، واختارها الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في حياته وبعد مماته ، فجعل بها قبره ، وبها روضة من رياض الجنة .

[ ص: 67 ] 38724 - قال أبو عمر : في قول عبد الله بن عياش لعمر : فيها حرم الله - عز وجل - ، وأمنه ، وفيها بيته ، ولم يقل : هي حرم إبراهيم ، وترك عمر إنكار ذلك عليه دليل على صحة رواية من روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الله - عز وجل - حرم مكة ، ولم يحرمها الناس " .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث