الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

1679 1680 - مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعه فإن الحياء من الإيمان " .

التالي السابق


38956 - هكذا هذا الحديث عند جماعة رواة مالك في " الموطأ " وغيره ، لم يزيدوا شيئا في لفظه ، ولا اختلفوا في إسناده .

38957 - وأخطأ في إسناده جويرية عن مالك ، بما قد ذكرناه في كتاب [ ص: 131 ] " التمهيد " .

38958 - وكذلك رواه ابن عيينة وغيره ، عن ابن شهاب كما في " الموطأ " .

38959 - وقد زاد فيه عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره ألفاظا حسانا .

38960 - حدثنا أحمد بن فتح قال : حدثنا علي بن فارس بن شجاع البغدادي أبو العباس بمصر قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح قال : حدثنا بشر بن الوليد الكندي قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يعاتب أخاه في الحياء يقول : إنك تستحي حتى إنه قد أضر بك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعه ، فإن الحياء من الإيمان " .

38961 - ومعنى هذا الحديث ، والله أعلم ، أن الحياء لما كان يمنع من كثير من الفحش والفواحش ، ويحمل على كثير من أعمال البر والخير ، صار كالإيمان مضارعا لأنه يساويه في بعض معانيه ، لأن الإيمان شأنه منع صاحبه من كل ما حرم عليه ، إذا صاحبه التوفيق ، فهو مقيد بالإيمان ، يردعه عن الكذب والفجور والآثام ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإيمان قيد الفتك ، لا يفتك مؤمن " .

[ ص: 132 ] 38962 - والفتك : القتل بعد الأمان ، والغدر بعد التأمين .

38963 - فلما كان الحياء والإيمان سببين إلى فعل الخير ، جعل الحياء شعبة من الإيمان لأنه مثل الإيمان من ارتكاب ما لا يحل ، وما يعد من الفحش والفواحش ، وإن كان الحياء غريزة ، والإيمان فعل المؤمن الموفق له .

38964 - وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان " .

38965 - رواه عبد الله بن دينار ، وسهيل بن أبي صالح جميعا عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

38966 - وقد ذكرنا طرق أسانيدهما في " التمهيد " .

38967 - وللإيمان أصول وفروع فمن أصوله الإقرار باللسان ، مع اعتقاد القلب بما نطق به اللسان من الشهادة بأن لا إله إلا الله ، وأنمحمدا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به عن ربه حق من البعث بعد الموت ، والإيمان بملائكة الله ، وكتبه ، ورسله ، وكل ما أحكمه الله في كتابه ، ونقلته الكافة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من [ ص: 133 ] الصلاة والزكاة ، والصيام ، والحج ، وسائر الفرائض بعد هذا .

38968 - فكل عمل صالح ، فهو من فروع الإيمان فبر الوالدين من الإيمان ، وأداء الأمانة من الإيمان ، وحسن العهد من الإيمان ، وحسن الجوار من الإيمان ، وتوقير الكبير من الإيمان ، ورحمة الصغير حتى إطعام الطعام ، وإفشاء السلام من الإيمان .

38969 - فهذه الفروع من ترك شيئا منها ، لم يكن ناقص الإيمان [ بتركه ، كما يكون ناقص ] [ الإيمان ] بارتكاب الكبائر وترك عمل الفرائض وإن كان مقرا بها .

38970 - وتلخيص هذا يطول ، ولا سبيل إلى إيراده في هذا الموضع .

38971 - وقد ذكرنا من ذلك في " التمهيد " ما فيه شفاء ، والحمد لله كثيرا .

38972 - وهذا كله يدل على أن الإيمان قول وعمل ، كما قال جمهور أهل العلم بالفقه والحديث ، وقد ذكرنا لهم ولسائر فرق الإسلام من التنازع في معنى الإيمان والإسلام أيضا ، وما نزعت به كل فرقة فيما ذهبت إليه من ذلك وفي باب ابن شهاب ، عن سالم ، من كتابي " التمهيد " ، وذكرنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الآثار المرفوعة في معنى الإيمان ، عن السلف أيضا ما وصل إلينا من ذلك في الباب المذكور [ ص: 134 ] في " التمهيد " والحمد لله .

38973 - حدثني أحمد بن فتح قال : حدثني إسحاق بن إبراهيم قال : حدثني أحمد بن خالد قال حدثني عبيد الكشوري بصنعاء قال حدثني سلمة بن شبيب - قال أحمد بن خالد : وحدثنا عيسى بن محمد الكشوري قال : حدثني محمد بن يزيد قالا : سمعنا عبد الرزاق يقول : سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا سفيان الثوري ، ومعمر بن راشد ، ومالك بن أنس ، وابن جريج ، وسفيان بن عيينة ، وعبيد الله بن عمر ، والأوزاعي ، يقولون : الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص : فقلنا لعبد الرزاق : فما تقول أنت ؟ قال : أقول كما قالوا ، وإن لم أقل ذلك ، فقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين .

38974 - قال عبد الرزاق : وكان معمر ، ومالك ، وابن جريج ، وسفيان الثوري ، يكرهون أن يقولوا : أنا مستكمل الإيمان على إيمان جبريل وميكائيل .

38975 - وقد ذكرنا في " التمهيد " حديث مبارك بن حسان قال : قلت لعطاء بن أبي رباح إن في المسجد عمر بن ذر ، ومسلما التحات ، وسالما الأفطس ، يقولون : من زنى وسرق وشرب الخمر ، وقذف المحصنات وأكل الربا ، [ ص: 135 ] وعمل المعاصي ، أنه مؤمن كإيمان البر التقي الذي لم يعص الله .

38976 - فقال عطاء : أبلغهم ما حدثني أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يقتل القاتل حين يقتل وهو مؤمن ، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " .

38977 - قال : فذكرت ذلك لسالم الأفطس وأصحابه ، فقالوا : وأين حديث [ ص: 136 ] أبي الدرداء : " وإن زنى وإن سرق " .

38978 - فذكرت ذلك لعطاء ، فقال : كان هذا ثم نزلت الأحكام والحدود بعد ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا إيمان لمن لا أمانة له " .

38979 - وقال : " لا يفتك مؤمن " .

38980 - قال أبو عمر : حديث أبي الدرداء حديث حسن ، روي عنه من وجوه منها ما :

38981 - قرأته على أبي عثمان سعيد بن نصر قال : حدثني قاسم بن أصبغ قال : حدثني محمد بن وضاح قال : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثني الحسن بن موسى الأشيب قال : حدثني حماد بن سلمة ، عن الجريري ، عن محمد بن سعد بن مالك ، أن أبا الدرداء ، كان إذا قرأ هذه الآية : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) [ الرحمن : 46 ] قال : وإن زنى وإن سرق . وقال : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : وإن زنى ، وإن سرق ؟ قال : " وإن زنى ، وإن سرق " قال قلت وإن زنى ، وإن سرق ؟ قال : وإن زنى ، وإن سرق قال : قلت : وإن زنى وإن [ ص: 137 ] سرق ؟ قال : " نعم ، وإن رغم أنف أبي الدرداء . " .

38982 - قال : حدثني عبد الوارث قال : حدثني قاسم قال : حدثني أحمد بن زهير قال : حدثني أبي قال : حدثني جرير بن عبد الحميد ، عن عطاء بن السائب قال : سأل هشام بن عبد الملك الزهري قال : حدثني بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : " ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق " ؟ .

38983 - فقال الزهري : أين يذهب بك يا أمير المؤمنين : كان هذا قبل الأمر والنهي .

38984 - قال أبو عمر : قد ذكرنا في " التمهيد " حديث أبي بكرة ، وحديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم " الحياء من الإيمان " ، كحديث ابن عمر . وقد ذكرنا حديث عمران بن حصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الحياء خير كله " .

[ ص: 138 ] 38985 - وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال : حدثني أحمد بن زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي [ ببيت المقدس ] قال : حدثني محمد بن حماد الطهراني قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما كان الحياء في شيء قط إلا زانه ، ولا كان الفحش في شيء قط إلا شانه " .

38986 - وأخبرنا أحمد بن محمد قال : أخبرنا [ أحمد ] بن الفضل قال : حدثني الحسن بن علي العدوي قال : حدثني خراش قال : حدثني أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول ما ينزع الله من العبد الحياء ، فيصير ممقوتا ، ثم ينزع الله منه الأمانة ، فيصير خائنا مخونا ، ثم ينزع منه الرحمة ، فيصير فظا غليظا ، ويخلع ربقة الإسلام من عنقه ، فيصير شيطانا لعينا " .

38987 - قال أبو عمر : هذا إسناد ضعيف ، وخراش هذا مجهول ، والحديث بهذا اللفظ لا يعرف إلا من هذا الوجه ، والقطعة التي بهذا الإسناد كلها لا يشتغل أهل العلم بها منكرة عندهم موضوعة . والله أعلم .

[ ص: 139 ] 38988 - وقد روي هذا الحديث من قول سلمان الفارسي ، من رواية زاذان عنه قال : إذا أراد الله بعبد شرا أو هلكة ، نزع منه الحياء ، فلم تلقه إلا مقيتا ممقتا ، وإذا كان كذلك ، نزعت منه الرحمة ، فلم تلقه إلا فظا غليظا ، فإذا كان كذلك نزعت منه الأمانة ، فلم تلقه إلا خائنا [ مخونا ] ، فإذا كان كذلك نزعت ربقة الإسلام من عنقه ، فكان لعينا ملعونا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث