الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1742 1745 - مالك ، عن يحيى بن سعيد ، أن عمر بن الخطاب أدرك جابر بن عبد الله ومعه حمال لحم ، فقال : ما هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين قرمنا إلى اللحم ، فاشتريت بدرهم لحما ، فقال عمر : أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه عن جاره أو ابن عمه ؟ أين تذهب عنكم هذه الآية : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها [ الأحقاف : 20 ] .

التالي السابق


39908 - قال أبو عمر : روي هذا الخبر عن عمر ، من وجوه منها :

39909 - ما ذكره سنيد قال حدثني معتمر بن سليمان التيمي ، عن أبيه قال : أبصر عمر بن الخطاب جابر بن عبد الله ، قد علق لحما بيده ، فقال : ما هذا ؟ قال : قرمنا إليه قال : وكلما اشتهى أحدكم شيئا أكله ، ألا يطوي بطنه لجاره وضيفه ، أين تذهب عنكم هذه الآية : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها [ الأحقاف : 20 ] .

[ ص: 348 ] 39910 - قال سنيد : وحدثني جرير عن عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة بن عمرو قال : دخل عتبة بن فرقد على عمر في السحر ، وهو يكرم كعكا شاميا ، ويتفرق لبنها ، فقال : يا أمير المؤمنين ، لو أمرت بطعام من لبن فصنع لك ؟ قال : يابن فرقد ، ألست أقدر أحياء العرب على طعام [ واحد ] ؟ قال عتبة : نعم ما أجد أقدر على ذلك منك ، قال : إني سمعت [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ، يذم قوما ، فقال : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها [ الأحقاف : 20 ] .

39911 - قال ابن جريج ، وقتادة : بلغنا عن عمر أنه قال : لو شئت كنت أطيبكم طعاما ، وألينكم لباسا ، ولكني أستبقي طيباتي .

39912 - قال أبو عمر : هذا طريق الزهد في الدنيا ، وقد رضي الله ذلك من عباده إذا كانت رغبة في الآخرة ، وإيثارا لها ، وإن كان قد أباح الطيبات وهي الحلال ، وقال - عز وجل - : ( اليوم أحل لكم الطيبات ) [ المائدة : 5 ] وقال : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) [ الأعراف : 32 ] .

39913 - فأكل اللحم المباح حلال ، ومن السنة والشريعة ذبح الغنم ، ونحر [ ص: 349 ] البدن والأكل منها وإطعام القانع والمعتر ، فأكل ما حل من اللحم وغيره مباح ، وأكل ما حرم لا يحل ، خشنا كان أو غير خشن ، إلا أن من يترك الدنيا حبا في الآخرة ، نال في الآخرة أعلى درجة ، وما التوفيق إلا بالله .

39914 - قال أبو عمر : ظاهر الآية يدل على أنها في الكفار قال - عز وجل - : ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا الآية [ الأحقاف : 20 ] .

39915 - ولكن فعل عمر وقوله فعل أهل الزهد وقولهم .

39916 - روينا عن عمر - رضي الله عنه - أنه قدم عليه ناس من أهل العراق ، منهم جرير بن عبد الله البجلي ، فآتاهم بجفنة قد صنعت بخبز وزيت ، وقال لهم : كلوا فأكلوا أكلا ضعيفا ، فقال لهم عمر : قد أرى أكلكم ، إنكم تريدون الحلو والحامض ، والحار والبارد ، كل ذلك قذفا في البطون .

39917 - وروى سفيان بن عيينة ، عن أبي فروة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : قدم ناس من أهل العراق على عمر ، فرآهم يأكلون أكلا ضعيفا ، فقال : يا أهل العراق ، لو شئت أن يدهن لكم لفعلت ، لكنا نستبقي من دنيانا ما نجده في آخرتنا ، أما سمعتم الله تعالى يقول : ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ) [ الأحقاف : 20 ] .

[ ص: 350 ] 39918 - ذكره أبو بكر وغيره ، عن ابن عيينة .

39919 - وروى ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن موسى بن سعد ، عن سالم بن عبد الله ، أن عمر بن الخطاب ، كان يقول : والله ما نفي بلذات [ الدنيا ] أن نأمر بصغار الماعز فتسمت لنا ، ونأمر بلباب الحنطة ، فيخبز لنا ، ونأمر بالزبيب فينبذ لنا في الأسقية ، حتى إذا صار مثل عين اليعقوب ، أكلنا هذا ، وشربنا هذا ، ولكنا نريد أن نستبقي طيباتنا لأنا سمعنا الله يقول لقوم : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا [ الأحقاف : 20 ] .

39920 - وأخبرنا عبد الوارث قال : حدثني قاسم قال : حدثني جعفر قال : حدثني جرير بن أبي حازم قال : حدثني الحسن أن عمر قال : [ إني والله ] لو شئت لكنت من ألينكم طعاما ، وأرقكم عيشا ، إني والله ما أجهل كذا أو كذا ولكني سمعت الله تعالى عير قوما بأمر فعلوه فقال : ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ) الآية [ الأحقاف : 20 ] .

39921 - قال أبو عمر : في الآية الجزاء بعذاب الهون على الكفر والفسق ، لا على أكل اللحم ، والحلال بين والحرام بين ، والزهد في الدنيا من أرفع الأعمال [ ص: 351 ] إذا كان على علم وسنة - والله المستعان .

39922 - وقد ذكر الدولابي في كتابه " في فضائل مالك " قال : قال الزبير بن بكار : حدثني إسماعيل بن أبي أويس قال : كان لمالك في لحمه كل يوم درهمان ، وكان يأمر طباخه كل جمعة يعمل له ولعياله طعاما كثيرا قال : وكان له طباخ يقال له سلمة .

39923 - قال : وحدثني مطرف بن عبد الله قال : كان مالك - رحمه الله - لو لم يجد درهمين يبتاع بهما لحما كل يوم إلا أن يبيع في ذلك بعض ( متاعه ) لفعل .

39924 - قال : وكانت تلك وصفته في لحمه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث