الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النوع الثالث صلاة ذات الرقاع

جزء التالي صفحة
السابق

فرع

إذا كانت صلاة الخوف رباعية ، بأن كانت في الحضر ، أو أرادوا الإتمام في السفر ، فينبغي للإمام أن يفرقهم فرقتين ، ويصلي بكل طائفة ركعتين ، ثم هل الأفضل أن ينتظر الثانية في التشهد الأول ، أم في القيام الثالث ؟ فيه الخلاف المتقدم في المغرب . ويتشهد بكل طائفة بلا خلاف . فلو فرقهم أربع فرق ، وصلى بكل فرقة ركعة ، بأن صلى بالأولى ركعة ، ثم فارقته ، وصلت ثلاثا وسلمت ، وانتظر قائما فراغها وذهابها ومجيء الثانية ، ثم صلى بالثانية الثانية ، وانتظر جالسا في التشهد الأول ، أو قائما في الثالثة ، وأتموا لأنفسهم ، ثم صلى بالثالثة الثالثة ، وانتظروا في قيام الرابعة ، وأتموا لأنفسهم ، ثم صلى بالرابعة الرابعة ، وانتظرهم في التشهد ، فأتموا وسلم بهم ، ففي جوازه قولان . أظهرهما : الجواز ، فعلى هذا قال إمام الحرمين : شرطه الحاجة ، فإن لم تكن حاجة ، فهو كفعلهم في حال الاختيار .

وعلى هذا القول تكون الطائفة الرابعة ، كالثانية في ذات الركعتين ، فيعود الخلاف في أنهم يفارقونه قبل التشهد ، أو يتشهدون معه ، أو يقومون بعد سلام الإمام إلى ما عليهم ، وتتشهد الطائفة الثانية معه على الأصح . وعلى الثاني تفارقه قبل التشهد ، وعلى هذا القول تصح صلاة الإمام والطائفة الرابعة ، وفي الطوائف الثلاث القولان فيمن فارق الإمام بغير عذر . وأما إذا قلنا : لا يجوز ذلك ، فصلاة الإمام [ ص: 56 ] باطلة . قال جمهور الأصحاب : تبطل بالانتظار الواقع في الركعة الثالثة ، وهو ظاهر نص الشافعي - رحمه الله - ، وقال ابن سريج : بالواقع في الرابعة . فعلى قول الجمهور : وجهان . أحدهما : تبطل بمعنى الطائفة الثانية . والثاني : بمعنى قدر ركعة من انتظاره الثاني . وأما صلاة المأمومين ، فصلاة الطائفة الأولى والثانية صحيحة ، لأنهم فارقوه قبل بطلان صلاته ، وصلاة الرابعة باطلة ، إن علمت بطلان صلاة الإمام ، وإلا فلا . والثالثة كالرابعة على قول الجمهور ، وكالأولين على قول ابن سريج .

قلت : جزم الإمام الرافعي بصحة صلاة الطائفة الأولى والثانية على هذا القول ، وليس هو كذلك ، بل فيهما القولان فيمن فارق بغير عذر ، كما قلنا في الطوائف الثلاث على قول صحة صلاة الإمام . وهذا لا بد منه ، وصرح به جماعة من أصحابنا . وحكى القاضي أبو الطيب وصاحب ( الشامل ) وآخرون وجها ضعيفا أن المبطل للطائفة الرابعة أن تعلم أنه انتظار رابع وإن جهلت كونه مبطلا . - والله أعلم - .

ولو فرقهم في المغرب ثلاث فرق ، وصلى بكل فرقة ركعة ، وقلنا : لا يجوز ذلك ، فصلاة جميع الطوائف صحيحة عند ابن سريج . وأما عند الجمهور ، فتبطل الثالثة إن علموا بطلان صلاة الإمام . وإذا اختصرت الرباعية ، قلت : ففيها أربعة أقوال . أظهرها : صحة صلاة الإمام والقوم جميعا . والثاني : صحة صلاة الإمام ، والطائفة الرابعة فقط . والثالث : بطلان صلاة الإمام وصحة صلاة الطائفة الأولى والثانية . والفرق في حق الثالثة والرابعة بين أن يعلموا بطلان صلاة الإمام ، أم لا . والرابع : صحة الثالثة لا محالة ، والباقي ، كالقول الثالث وهو قول ابن سريج .

قلت : وقول خامس : وهو بطلان صلاة الجميع . ولو فرقهم فرقتين فصلى بفرقة ركعة ، بالثانية ثلاثا ، أو عكسه . قال أصحابنا : صحت صلاة الإمام وجميعهم بلا خلاف ، وكانت مكروهة ، ويسجد الإمام والطائفة الثانية سجود السهو ، للمخالفة [ ص: 57 ] بالانتظار في غير موضعه . هكذا صرح به أصحابنا . ونقله صاحب ( الشامل ) عن نص الشافعي - رحمه الله - قال : وهذا يدل على أنه إذا فرقهم أربع فرق . وقلنا : لا تبطل صلاتهم ، فعليهم سجود السهو . وقال صاحب ( التتمة ) : لا خلاف في هذه الصورة أن الصلاة مكروهة ، لأن الشرع ورد بالتسوية بين الطائفتين قال : وهل تصح صلاة الإمام ، أم لا ؟ إن قلنا : إذا فرقهم أربع فرق تصح ، فهنا أولى ، وإلا ، فقد انتظر في غير موضعه ، فيكون كمن قنت في غير موضعه . قال : وأما المأمومون ، فعلى التفصيل فيما إذا فرقهم أربع فرق ، وهذا الذي قاله شاذ ، والصواب ما قدمناه عن نص الشافعي والأصحاب . - والله أعلم - .

فرع

لو كان الخوف في بلد وحضرت صلاة الجمعة ، فالمذهب والمنصوص : أن لهم أن يصلوها على هيئة صلاة ذات الرقاع ، وقيل : في جوازها قولان . وقيل : وجهان . ثم للجواز شرطان . أحدهما : أن يخطب بجميعهم ، ثم يفرقهم فرقتين ، أو يخطب بفرقة ، ويجعل منها مع كل واحد من الفرقتين أربعين فصاعدا . فأما لو خطب بفرقة وصلى بأخرى ، فلا يجوز . والثاني أن تكون الفرقة الأولى أربعين فصاعدا ، فلو نقصت عن الأربعين ، لم تنعقد الجمعة . ولو نقصت الفرقة الثانية عن أربعين ، فطريقان . أحدهما : لا يضر . والثاني : أنه كالخلاف في الانفضاض .

قلت : الأصح : لا يضر ، وبه قطع البندنيجي . - والله أعلم - .

أما لو خطب بهم ، ثم أراد أن يصلي بهم صلاة عسفان ، فهي أولى بالجواز من صلاة ذات الرقاع . ولا تجوز كصلاة بطن نخل ، إذ لا تقام جمعة بعد جمعة .

[ ص: 58 ] فرع

صلاة ذات الرقاع أفضل من صلاة بطن نخل على الأصح ، لأنها أعدل بين الطائفتين ، ولأنها صحيحة بالاتفاق . وتلك صلاة مفترض خلف متنفل ، وفي صحته خلاف للعلماء . والثاني - وهو قول أبي إسحاق - : بطن النخل أفضل ، لتحصل لكل طائفة فضيلة الجماعة بالتمام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث