الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الشرط السادس : كمال الملك ، وفي هذا الشرط خلاف يظهر بتفريع مسائله . فإذا ضل ماله ، أو غصب ، أو سرق ، وتعذر انتزاعه ، أو أودعه فجحد ، أو وقع في بحر ، ففي وجوب الزكاة فيه ثلاثة طرق ، أصحها أن المسألة على قولين ، أظهرهما وهو الجديد : وجوبها ، والقديم : لا تجب . والطريق الثاني : القطع بالوجوب ، والثالث : إن عادت بتمامها وجبت ، وإلا فلا .

فإن قلنا بالطريق الأول ، فالمذهب أن القولين جاريان مطلقا ، وقيل : موضعهما إذا عاد المال بلا نماء ، فإن عاد معه وجب الزكاة قطعا . وعلى هذا التفصيل ، لو عاد بعض النماء كان كما لو لم يعد معه شيء .

ومعنى العود بلا نماء : أن يتلفه الغاصب ويتعذر تغريمه . فأما إن غرم ، أو تلف في يده شيء كان يتلف في يد المالك أيضا ، فهو كما لو عاد النماء بعينه ، هذا كله إذا عاد المال إليه ، ولا خلاف أنه لا يجب إخراج الزكاة قبل عود المال إليه ، فلو تلف في الحيلولة بعد مضي أحوال سقطت الزكاة على قول الوجوب ؛ لأنه لم يتمكن ، والتلف قبل التمكن يسقط الزكاة . وموضع الخلاف في الماشية المغصوبة إذا كانت سائمة في يد المالك والغاصب ، فإن علفت في يد أحدهما عاد النظر المتقدم قريبا في إسامة الغاصب [ ص: 193 ] وعلفه هل يؤثران ؟ وزكاة الأحوال الماضية إنما تجب على قول الوجوب إذا لم تنقص الماشية عن النصاب بما تجب الزكاة ، بأن كان فيها وقص . أما إذا كانت نصابا فقط ومضت الأحوال فالحكم على هذا القول كما لو كانت في يده ومضت الأحوال ما يخرج منها زكاة ، وسنذكره إن شاء الله تعالى .

فرع

لو كان له أربعون شاة ، فضلت واحدة ثم وجدها ، إن قلنا : لا زكاة في الضال ، استأنف الحول ، سواء وجدها قبل تمام الحول أو بعده ، فإن أوجبناها في الضال ووجدها قبل تمام الحول ، بنى ، وإن وجدها بعده زكى الأربعين .

فرع

لو دفن ماله بموضع ثم نسيه ، ثم تذكر - فهذا ضال ، ففيه الخلاف سواء دفن في داره أو في غيرها ، وقيل : تجب الزكاة هنا قطعا لتقصيره .

فرع

لو أسر المالك وحيل بينه وبين ماله ، وجبت الزكاة على المذهب ؛ لنفوذ تصرفه . وقيل : فيه الخلاف ، ولو اشترى مالا زكويا فلم يقبضه حتى مضى حول في يد البائع ، فالمذهب وجوب الزكاة على المشتري ، وبه قطع الجمهور . وقيل : لا تجب قطعا ؛ لضعف الملك . وقيل : فيه الخلاف في المغصوب ، ولو رهن ماشية أو غيرها من أموال الزكاة ، فالمذهب وبه قطع الجمهور : وجوب الزكاة . وقيل [ ص: 194 ] وجهان بناء على المغصوب لامتناع التصرف . والذي قاله الجمهور تفريع على أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة ، وهو الراجح . ولنا فيه خلاف يأتي قريبا إن شاء الله تعالى . وإذا أوجبنا الزكاة في المرهون ، فمن أين يخرج ؟ فيه كلام يأتي قبيل زكاة المعشرات .

فرع

الدين الثابت على الغير له أحوال . أحدها : أن لا يكون لازما كمال الكتابة ، فلا زكاة فيه . والثاني : أن يكون لازما ، وهو ماشية ، فلا زكاة أيضا . الثالث : أن يكون دراهم أو دنانير أو عروض تجارة ، فقولان ، القديم : لا زكاة في الدين بحال ، والجديد وهو المذهب الصحيح المشهور : وجوبها في الدين على الجملة . وتفصيله أنه إن تعذر الاستيفاء لإعسار من عليه الدين أو جحوده ولا بينة ، أو مطله ، أو غيبته - فهو كالمغصوب تجب الزكاة على المذهب .

وقيل : تجب في الممطول ، وفي الدين على مليء غائب قطعا ، ولا يجب الإخراج قبل حصوله قطعا ، وإن لم يتعذر استيفاؤه ، بأن كان على مليء باذل ، أو جاحد عليه بينة ، أو يعلمه القاضي ، وقلنا : يقضى بعلمه ، فإن كان حالا وجبت الزكاة ولزم إخراجها في الحال ، وإن كان مؤجلا فالمذهب أنه على القولين في المغصوب . وقيل : تجب الزكاة قطعا . وقيل : لا تجب قطعا . فإن أوجبناها ، لم يجب الإخراج حتى يقبضه على الأصح . وعلى الثاني : تجب في الحال .

فرع

المال الغائب إن لم يكن مقدورا عليه لانقطاع الطريق أو انقطاع خبره ، فكالمغصوب . وقيل : تجب قطعا ، ولا يجب الإخراج حتى يصل إليه ، وإن كان [ ص: 195 ] مقدورا عليه وجب إخراج زكاته في الحال ، ويخرجها في بلد المال ، فإن أخرجها في غيره ففيه خلاف نقل الزكاة . وهذا إذا كان المال مستقرا في بلد ، فإن كان سائرا ، قال في " العدة " : لا يخرج زكاته حتى يصل إليه ، فإذا وصل إليه زكى لما مضى بلا خلاف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث