الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

المسألة الرابعة : في جواز نقل الصدقة إلى بلد آخر ، مع وجود المستحقين في بلده خلاف . وتفصيل المذهب فيه عند الأصحاب : أنه يحرم النقل ، ولا تسقط [ ص: 332 ] به الزكاة ، وسواء كان النقل إلى مسافة القصر أو دونها ، فهذا مختصر ما يفتى به . وتفصيله ، أن في النقل قولين . أظهرهما : المنع .

وفي المراد بهما ، طرق . أصحها : أن القولين في سقوط الفرض ، ولا خلاف في تحريمه ، والثاني : أنهما في التحريم والسقوط معا ، والثالث : أنهما في التحريم ، ولا خلاف أنه يسقط .

ثم قيل : هما في النقل إلى مسافة القصر فما فوقها ، فإن نقل إلى دونها ، جاز ، والأصح : طرد القولين .

قلت : وإذا منعنا النقل ، ولم نعتبر مسافة القصر ، فسواء نقل إلى قرية بقرب البلد ، أم بعيدة . صرح به صاحب " العدة " وهو ظاهر . والله أعلم .

فرع

إذا أوصى للفقراء والمساكين وسائر الأصناف ، أو وجب عليه كفارة ، أو نذر ، فالمذهب في الجميع جواز النقل ، لأن الأطماع لا تمتد إليها امتدادها للزكاة .

فرع

صدقة الفطر كسائر الزكوات في جواز النقل ومنعه ، وفي وجوب استيعاب الأصناف ، فإن شقت القسمة ، جمع جماعة فطرتهم ثم قسموها . وقال الإصطخري : يجوز صرفها إلى ثلاثة من الفقراء ، ويروى : من الفقراء والمساكين .

ويروى : من أي صنف اتفق . واختار أبو إسحاق الشيرازي ، جواز الصرف إلى واحد .

قلت : اتفق أصحابنا المتأخرون أو جماهيرهم : على أن مذهب الإصطخري ، جواز الصرف إلى ثلاثة من المساكين والفقراء .

قال أكثرهم : وكذلك يجوز [ ص: 333 ] عنده الصرف إلى ثلاثة من أي صنف كان . وصرح المحاملي والمتولي : بأنه لا يجوز عنده الصرف إلى غير المساكين والفقراء . قال المتولي : ولا يسقط الفرض ، واختار الروياني في الحلية صرفها إلى ثلاثة . وحكي اختياره عن جماعة من أصحابنا . والله أعلم .

فرع

حيث جاز النقل أو وجب ، فمؤنته على رب المال ، ويمكن تخريجه على الخلاف السابق في أجرة الكيال .

فرع

الخلاف في جواز النقل وتفريعه ، ظاهر فيما إذا فرق رب المال زكاته . أما إذا فرق الإمام ، فربما اقتضى كلام الأصحاب طرد الخلاف فيه ، وربما دل على جواز النقل له ، والتفرقة كيف شاء ، وهذا أشبه .

قلت : قد قال صاحب " التهذيب " والأصحاب : يجب على الساعي نقل الصدقة إلى الإمام إذا لم يأذن له في تفريقها ، وهذا نقل . والله أعلم .

فرع

لو كان المال ببلد ، والمالك ببلد ، فالاعتبار ببلد المال ، لأنه سبب الوجوب ، ويمتد إليه نظر المستحقين ، فيصرف العشر إلى فقراء بلد الأرض ، حتى حصل [ ص: 334 ] منها المعشر ، وزكاة النقدين والمواشي والتجارة إلى فقراء البلد الذي تم فيه حولها ، فإن كان المال عند تمام الحول في بادية ، صرف إلى فقراء أقرب البلاد إليه .

قلت : ولو كان تاجرا مسافرا ، صرفها حيث حال الحول . والله أعلم .

ولو كان ماله في مواضع متفرقة ، قسم زكاة كل طائفة من مال ببلدها ، ما لم يقع تشقيص ، فإن وقع ، بأن ملك أربعين من الغنم ، عشرين ببلد ، وعشرين بآخر ، فأدى شاة في أحد البلدين .

قال الشافعي - رحمه الله - : كرهته ، وأجزأه . وهذا هو المذهب ، وقطع به جمهور الأصحاب . سواء جوزنا نقل الصدقة ، أم لا .

وقال أبو حفص ابن الوكيل : هذا جائز ، إن جوزنا نقل الصدقة ، وإلا فيؤدي في كل بلد نصف شاة . والصواب : الأول . وعللوه بعلتين .

إحداهما : أن له في كل بلد مالا ، فيخرج فيها شاة منها ، والثانية : أن الواجب شاة ، فلا تشقيص . ويتفرع عليهما ، ما لو ملك مائة ببلد ، ومائة ببلد آخر ، فعلى الأول ، له إخراج الشاتين في أيهما شاء ، وعلى الثاني : لا يجزئه ذلك ، وهو الأصح .

وأما زكاة الفطر ، إذا كان ماله ببلد ، وهو بآخر ، فأيهما يعتبر ؟ وجهان . أصحهما : ببلد المالك .

قلت : ولو كان له من تلزمه فطرته وهو ببلد ، فالظاهر أن الاعتبار ببلد المؤدى عنه . وقال في " البيان " : الذي يقتضي المذهب ، أنه يبنى على الوجهين في أنها تجب على المؤدي ابتداء ، أم على المؤدى عنه فتصرف في بلد من تجب عليه ابتداء . والله أعلم .

[ ص: 335 ] فرع

أرباب الأموال صنفان .

أحدهما : المقيمون في بلد ، أو قرية ، أو موضع من البادية فلا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا ، فعليهم صرف زكاتهم إلى من في موضعهم من الأصناف ، سواء فيه المقيمون والغرباء .

الثاني : أهل الخيام المنتقلون من بقعة إلى بقعة ، فينظر ، إن لم يكن لهم قرار ، بل يطوفون البلاد أبدا ، صرفوها إلى من معهم من الأصناف . فإن لم يكن معهم مستحق ، نقلوه إلى أقرب البلاد إليهم عند تمام الحول .

وإن كان لهم موضع يسكنونه وربما انتقلوا عنه منتجعين ثم عادوا إليه ، فإن لم يتميز بعضهم عن بعض في الماء والمرعى ، صرفوها إلى من هو دون مسافة القصر من موضع المال .

والصرف إلى الذين يقيمون من هؤلاء بإقامتهم ويظعنون بظعنهم أفضل لشدة جوارهم . وإن تميزت الحلة عن الحلة ، وانفرد بالماء والمرعى ، فوجهان .

أحدهما : أنه كغير المتميزة . وأصحهما : أن كل حلة كقرية ، فلا يجوز النقل عنها .

فصل

يشترط في الساعي كونه مسلما ، مكلفا ، عدلا ، حرا ، فقيها بأبواب الزكاة . هذا إذا كان التفويض عاما ، فإن عين الإمام شيئا يأخذه ، لم يعتبر الفقه . قال الماوردي : وكذا لا يعتبر الإسلام والحرية .

قلت : عدم اشتراط الإسلام ، فيه نظر . والله أعلم .

[ ص: 336 ] وفي جواز كون العامل هاشميا ، أو من المرتزقة ، خلاف سبق . وفي " الأحكام السلطانية " للماوردي : أنه يجوز أن يفوض إلى من تحرم عليه الزكاة من ذوي القربى ، ولكن يكون رزقه من المصالح .

وإذا قلد الأخذ وحده ، أو القسمة وحدها ، لم يتول إلا ما قلد ، وإن أطلق التقليد تولى الأمرين .

وإنه إذا كان العامل جائزا في أخذ الصدقة ، عادلا في قسمتها ، جاز كتمها عنه ، وجاز دفعها إليه ، وإن كان عادلا في الأخذ ، جائزا في القسمة ، وجب كتمها عنه .

فإن أخذها طوعا أو كرها ، لم تجزئ ، وعلى أرباب الأموال إخراجها بأنفسهم . وهذا خلاف ما في " التهذيب " : أنه إذا دفع إلى الإمام الجائر ، سقط عنه الفرض ، وإن لم يوصله المستحقين ، إلا أن يفرق بين الدفع إلى الإمام وإلى العامل .

قلت : لا فرق ، والأصح : الإجزاء فيهما . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث