الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وتحصل الهبة بما يتعارفه الناس هبة من الإيجاب والقبول والمعاطاة المقترنة بما يدل عليها ، وتلزم بالقبض ، وعنه : تلزم في غير المكيل والموزون بمجرد الهبة ، ولا يصح القبض إلا بإذن الواهب إلا ما كان في يد المتهب فيكفي مضي زمن يتأتى قبضه فيه ، وعنه : لا يصح حتى يأذن في القبض ، وإن مات الواهب قام وارثه مقامه في الإذن والرجوع ، وإن أبرأ الغريم غريمه من دينه ، أو وهبه له ، أو أحله منه برئت ذمته ، وإن رد ذلك ولم يقبله

التالي السابق


( وتحصل الهبة بما يتعارفه الناس هبة من الإيجاب ) بأن يقول : وهبتك ، وأهديت إليك ، وأعطيتك ، ونحوه كهذا لك ، ( والقبول ) بأن يقول : قبلت ، أو رضيت ، ( والمعاطاة المقترنة بما يدل عليها ) ، اختاره ابن عقيل ، وهو الصحيح ; لأنه عليه السلام كان يهدي ويهدى إليه ، ويعطي ويعطى ، ويفرق الصدقات ، ويأمر سعاته بأخذها وتفريقها ، وكان أصحابه يفعلون ذلك ، ولم ينقل عنهم إيجاب ولا قبول ، ولو كان شرطا لنقل عنهم نقلا متواترا أو مشتهرا ، وكالبيع ، وذكر القاضي وأبو الخطاب أنها لا تصح إلا بالإيجاب والقبول ، ولا تصح بدونه ، وسواء وجد قبض أم لا ; لأنها عقد تمليك ، فافتقر إلى ذلك كالنكاح ، وفي " المستوعب " و " المغني " أنها لا تصح إلا بلفظ الهبة ، والعفو ، والتمليك ، وفي " الرعاية " في عفو وجهان ، وما ورد في الأخبار دال على خلافه ، قال ابن عقيل : إنما يشترط الإيجاب والقبول مع الإطلاق ، وعدم العرف ؛ ولأنه يكتفي بها في المعاوضات ، فالهبة أولى ، والنكاح يشترط فيه الإشهاد وغيره ، ولا يقع إلا [ ص: 363 ] قليلا ، فلا يشق فيه ذلك بخلاف الهبة ، ( وتلزم بالقبض ) بإذن واهب بلا شبهة ؛ لما روى مالك عن عائشة أن أبا بكر نحلها جداد عشرين وسقا من ماله بالعالية ، فلما مرض قال : يا بنية كنت نحلتك جداد عشرين وسقا ، ولو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك ، فإنما هو اليوم مال وارث ، فاقتسموه على كتاب الله تعالى ، وروى ابن عيينة عن عمر نحوه ، ولم نعرف لهما في الصحابة مخالفا ؛ ولأنها هبة غير مقبوضة ، فلم تلزم كالطعام المأذون في أكله ( وعنه : تلزم في غير المكيل والموزون ) والمعدود والمزروع ( بمجرد الهبة ) ، أي إذا كان متميزا ، فإنه يلزم بمجرد العقد ، اختاره الأكثر ، قال ابن عقيل : هي المذهب ؛ لعموم قوله عليه السلام : العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه ولأنه إزالة ملك بغير عوض ، فلزم بمجرد العقد كالوقف والعتق ، ولأنه تبرع ، فلا يعتبر فيه القبض كالوصية ، ولأنه عقد لازم ينقل الملك ، فلم يقف لزومه على القبض كالبيع ، وحديث أبي بكر محمول على أنه أراد به عشرين وسقا مجدودة ، فيكون مكيلا غير معين ، ولا تصح الهبة فيه قبل تعيينه ، فيكون معناه : وعدتك بالنحلة لكنه خلاف الظاهر ، وأجابوا عن الوقف والوصية والعتق بالفرق ، فإن الوقف إخراج ملك لله تعالى ، فخالف التمليكات ، والوصية تلزم في حق الوارث ، والعتق إسقاط حق وليس بتمليك ، وإذا قلنا : الهبة تملك بالعقد بمجرده فيصح التصرف فيها قبل القبض ، نص عليه ; لأن حق الواهب انقطع عنها بمجرد انتقال ملكه ، وليست في ضمانه ، ولا محذور في التصرف فيها بوجه ، وظاهره أن الهبة حيث افتقرت إلى القبض فإنها تصح بالعقد ، واختار الخرقي وجمع عكسه ، قال المروذي : اتفق أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة ، والأشهر الأول ، وهل يملكها [ ص: 364 ] به ؛ فيه وجهان ، وعليهما يخرج النماء ، قال جماعة : إن اتصل القبض .

( ولا يصح القبض ) إذا قيل يلزم به ( إلا بإذن الواهب ) ؛ لأنه قبض غير مستحق عليه ، فلم يصح إلا بإذنه كأصل العقد وكالرهن ( إلا ما كان في يد المتهب ) كالوديعة والمغصوب ( فيكفي مضي زمن يتأتى قبضه فيه ) ، هذا رواية ، واختارها القاضي ; لأنه مقبوض ، فلا معنى لتجديد الإذن فيه ، وقول ابن المنجا إنه المذهب فيه نظر ، فإن ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور أنها تلزم من غير مضي مدة يتأتى فيها القبض ، قدمه في " المحرر " و " الفروع " ، وصححه في " المغني " و " الشرح " ; لأن قبضه مستدام فأغنى عن الابتداء كما لو باعه سلعة ، ويبنى على الخلاف الرجوع والنماء ، وفي " الرعاية " : الزيادة قبل القبض للمتهب إذا قبض ما يعتبر قبضه ، وقيل : للواهب ، وهو أقيس ، والأصح أنه إذا أذن في القبض ثم رجع عن الإذن أو في الهبة صح رجوعه ( وعنه : لا يصح حتى يأذن في القبض ) كما لو لم يكن في يده .

( وإن مات الواهب قام وارثه مقامه في الإذن والرجوع ) في الأصح ; لأنه عقد مآله إلى اللزوم ، فلم ينفسخ بالموت كالبيع في مدة الخيار ، وكما لو مات المتهب بعد القبول ، وقال القاضي وقدمه في " الشرح " إنها تبطل سواء كان قبل الإذن في القبض أو بعده ; لأنه عقد جائز ، فبطل بموت أحد المتعاقدين ، كالوكالة ، وظاهره أن ورثة المتهب لا تقوم مقامه بل تبطل الهبة بموته في الأصح .

فرع : يقبض أب لطفل من نفسه ، والأصح لا يحتاج قبولا ويقبل [ ص: 365 ] ويقبض للطفل والمجنون وليهما ، وقيل : وغيره ممن يقوم بمصلحتهما إذا عدم ، وأمين الحاكم كهو .

أصل : يصح قبض المميز وقبوله بلا إذن وليه ، وقيل : يتوقف صحة قبضه فقط على إذنه ، ولا يصح هبة من صغير وسفيه ولو بإذن وليهما ، وتصح الهبة من العبد ، وقيل : بإذن سيده ، وما اتهبه عبد غير مكاتب وقبله فهو لسيده ، ويصح قبوله بلا إذن سيده ، نص عليه ، وقيل : لا يقبله إلا بإذنه ، فإن قبله وقلنا : يملكه ، فهو له دون سيده ، وإلا فلا ، ذكره في " الرعاية " .

( وإن أبرأ الغريم غريمه من دينه ) ولو اعتقد أنه ليس له عنده شيء ولو قبل حلوله خلافا للحلواني وغيره ( أو وهبه له أو أحله منه ) أو أسقطه عنه ، أو تركه ، أو ملكه ، أو تصدق به عليه ، أو عفا عنه - ( برئت ذمته وإن رد ذلك ولم يقبله ) في المنصوص ; لأنه إسقاط حق ، فلم يفتقر إلى القبول كالعتق ، والطلاق ، والشفعة ، وبهذا فارق هبة المعين ; لأنه تمليك ، وفي " المغني " في إبرائها له من المهر هل هو إسقاط أو تمليك ؛ فيتوجه منه احتمال لا يصح ، وإن صح اعتبر قبوله ، وفي " الموجز " و " الإيضاح " لا تصح هبة إلا في معين ، وفي " المغني " وإن حلف لا يهبه فأبرأه لم يحنث ; لأن الهبة تمليك ، وعلى النص يصح ، ولو كان المبرأ منه مجهولا ، وفيه خلاف ، لكن لو جهله ربه وكتمه المدين خوفا من أنه لو علمه لم يبره لم تصح البراءة ، ومن صور البراءة من المجهول لو أبرأه من أحدهما ، أو أبرأ أحدهما ، ويؤخذ بالبيان ، والمذهب : لا يصح مع إبهام المحل كأبرأت أحد غريمي ، ولو أبرأه من مائة وهو يعتقد أنه لا شيء له [ ص: 366 ] عليه وكانت عليه ، ففي صحة البراءة وجهان ، أصلهما ما لو باع مالا كان لمورثه يعتقد أنه باق لمورثه ، وكان قد مات وانتقل إليه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث