الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل يتعلق بآداب الأكل وغيره

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 184 ] وإن علم أن في الدعوة منكرا كالزمر والخمر ، وأمكنه الإنكار ، حضر وأنكر ، وإلا لم يحضر ، وإن حضر فشاهد المنكر ، أزاله وجلس ، فإن لم يقدر انصرف ، وإن علم به ولم يره ، ولم يسمعه ، فله الجلوس ، وإن شاهد ستورا معلقة فيها صور الحيوان ، لم يجلس إلا أن تزال ، فإن كانت مبسوطة أو على وسادة ، فلا بأس بها ، وإن سترت الحيطان بستور لا صور فيها أو فيها صور غير الحيوان ، فهل يباح ؛ على روايتين ، ولا يباح الأكل بغير إذن ، والدعاء إلى الوليمة إذن فيها ، والنثار والتقاطه مكروه ، وعنه : لا يكره ومن حصل في حجره شيء فهو له ، ويستحب إعلان النكاح ، والضرب عليه بالدف .

التالي السابق


( وإن علم أن في الدعوة منكرا كالزمر والخمر ، وأمكنه الإنكار ، حضر وأنكر ) ; لأنه يؤدي فرضين إجابة الدعوة وإزالة المنكر ( وإلا ) إذا لم يمكنه الإنكار ( لم يحضر ) لأن عليه ضررا في الحضور ، ولأنه يحرم عليه مشاهدة ذلك; لقوله عليه السلام : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها خمر رواه الترمذي وقال : حسن غريب; ولأنه يشاهد المنكر من غير حاجة إليه ، فمنع منه كما لو شاهده مع القدرة على إزالته ( وإن حضر فشاهد المنكر ، أزاله وجلس ) ; لأن في ذلك جمعا بين مصلحتي الإنكار ومقصود الإجابة الشرعية ( فإن لم يقدر انصرف ) ; لأن الجلوس مع مشاهدة التحريم حرام ، وقد خرج أحمد من وليمة فيها آنية فضة ، فقال الداعي : نحولها فلم يرجع ، نقله حنبل ( وإن علم به ولم يره ، ولم يسمعه فله الجلوس ) ; لأن المحرم رؤية المنكر وسماعه ، ولو يوجد واحد منها ، وله الأكل ، نص عليه ، وله الامتناع من الحضور في ظاهر كلامه ، كإسقاط الداعي حرمة نفسه باتخاذ المنكر ، قال أحمد : لا بأس ، وفي المذهب ، و " المستوعب " : لا ينصرف ، وقاله أحمد ، وإن وجب الإنكار على رواية أو قول ( وإن شاهد ستورا معلقة فيها صور الحيوان لم يجلس إلا أن تزال ) أي : إذا كانت صورة الحيوان على الستور والحيطان وما لا يوطأ ، وأمكنه حطها أو قطع رأسها ، فعل ذلك وجلس ، وإن لم يمكنه ذلك ، انصرف ، وعليه أكثر العلماء ، قال ابن عبد البر : وهذا أعدل المذاهب; لأن عائشة نصبت سترا فيه تصاوير ، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم فنزعه ، قالت : فقطعته وسادتين يرتفق عليهما متفق عليه ، وأما دخول منزل فيه تصاوير فليس بمحرم ، وإنما أبيح ترك الدعوة [ ص: 185 ] من أجله عقوبة للداعي بإسقاط حرمته لاتخاذه المنكر في داره ، فلا يجب على من رآه في منزل الداعي الخروج في ظاهر كلام أحمد ، ذكره في " المغني " وفيه وجه .

فائدة : إذا قطع رأس الصورة ، أو ما لا تبقى الحياة بعد ذهابه أو جعل له رأس منفصل عن البدن ، لم يدخل تحت النهي وإن كان الذاهب تبقى الحياة بعده كاليد والعين ، فهو صورة وصنعة التصاوير محرمة على فاعلها; للأخبار ، والأمر بعملها محرم كعملها .

( فإن كانت مبسوطة أو على وسادة ، فلا بأس بها ) ; لأن فيه إهانة لها; ولأن تحريم تعليقها إنما كان لما فيه من التعظيم والإغرار والتشبه بالأصنام التي تعبد ، وذلك مفقود في البسط; لقول عائشة : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - متكئا على نمرقة فيها تصاوير رواه ابن عبد البر; ولأن فيه إهانة كالبسط ( وإن سترت الحيطان بستور ) غير حرير ( لا صور فيها أو فيها صور غير الحيوان ، فهل يباح ؛ على روايتين ) إحداهما يكره ، وهو عذر في ترك الإجابة إلى الدعوة ، قال أحمد : قد خرج أبو أيوب حين دعاه ابن عمر فرأى البيت قد ستر رواه الأثرم ، وابن عمر أقر على ذلك ، وقال أحمد : دعي حذيفة ، فخرج ، وإنما رأى شيئا من زي الأعاجم وكراهته لما فيه من السرف في ذلك لا يبلغ به التحريم ، والأخرى : يحرم ، لما روى الخلال عن علي بن الحسين ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تستر الجدر وكما لو كانت الستر حريرا ، واختار في " المغني " الأول; لأنه لم يثبت حديث ، ولو ثبت حمل على الكراهة ، فإن كان ضرورة من حر أو برد فلا بأس; لأنه يستعمله لحاجة ، أشبه الستر على الباب ، وفي جواز [ ص: 186 ] خروجه لأجله وجهان ، فلو كان فيها آنية ذهب أو فضة ، فهو منكر يخرج من أجله ، وكذا ما كان من الفضة مستعملا كالمكحلة .

( ولا يباح الأكل بغير إذن ) صريح أو قرينة ، كدعائه إليه ، نص عليه; لأن أكل مال غيره بغير إذنه محرم ، كلبس ثوبه وركوب دابته ( والدعاء إلى الوليمة إذن فيها ) جزم به في " المغني " وغيره; لقوله عليه السلام : رسول الرجل إلى الرجل إذنه رواه أبو داود بإسناد جيد ، وعن ابن مسعود : إذا دعيت فقد أذن لك . رواه أحمد ، وظاهره ولو من بيت قريبه وصديقه ، ولم يجوزه عنه ، نقله ابن القاسم ، وجزم به جماعة أنه يجوز ، واختاره الشيخ تقي الدين ، وهو أظهر ، وفي " الفروع " : ليس الدعاء إذنا للدخول في ظاهر كلامهم ، وجزم القاضي في " المجرد " وابن عقيل ، فيمن كتب من محبرة غيره يجوز في حق من تنبسط إليه ، ويأذن له عرفا .

( والنثار والتقاطه مكروه ) على المذهب; لأنه عليه السلام نهى عن النهبى والمثلة . رواه أحمد والبخاري من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري; ولأن فيه تزاحما وقتالا ، وقد يأخذه من غيره أحب إلى صاحبه ، وربما دل على دناءة نفس المنتهب ، لا يقال : ظاهره التحريم; لأنه مردود بالإجماع أنه للإباحة ، ذكره في " المغني " ، ولأنه نوع إباحة لمال ، فلم يكن محرما كسائر الإباحات ( وعنه : لا يكره ) اختارها أبو بكر ، وقاله الحسن ، وقتادة ; لما روى عبد الله بن قرط قال : قرب للنبي - صلى الله عليه وسلم - خمس بدنات أو ست ، فقال : من شاء اقتطع رواه أبو داود ، وقال : هذا جار مجرى النثار ، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعي [ ص: 187 ] إلى وليمة رجل من الأنصار ، وجعل يزاحم الناس على النهبة ، قالوا : يا رسول الله أوما نهيتنا عن النهبة ؛ قال : إنما نهيتكم عن نهبة العساكر ، ولم أنهكم عن نهبة الولائم رواه العقيلي; ولأنه نوع إباحة ، أشبه إباحة الطعام للضيفان ، وعنه : لا يعجبني ، هذه نهبة لا تؤكل ، وفرق ابن شهاب وغيره بأنه بذبحه زال ملكه ، والمساكين عنده سواء ، والنثر لا يزيل الملك ( ومن حصل في حجره فهو له ) ; لأنه مباح حصل في حجرهن فملكه كما لو وثبت إليه سمكة ، وليس لأحد أخذه ، وفي " المحرر " يملكه مع القصد ، وبدون القصد وجهان .

فرع : إذا قسم على الحاضرين فلا بأس; لقول أبي هريرة : قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه تمرا ، وقد روى عن أحمد أنه حذق بعض ولده ، فقسم على الصبيان الجوز ، لكل واحد خمسة; ولأن بذلك تنتفي المفسدة ، مع أن فيه إطعام الطعام ، وجبر القلوب وانبساطها ، وهو مصلحة محضة .



( ويستحب إعلان النكاح ، والضرب عليه بالدف ) ; لما روى محمد بن حاطب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فصل ما بين الحلال والحرام : الصوت والدف في النكاح رواه أحمد ، والنسائي ، والترمذي وحسنه ، قال أحمد : يستحب أن يظهر النكاح ، ويضرب عليه بالدف ، حتى يشهر ويعرف ، قيل : ما الدف ؛ قال : هذا الدف ، قيل له - في رواية جعفر - : يكون فيه جرس ؛ قال : لا ، قال أحمد : يستحب ضرب الدف ، والصوت في الإملاك ، فقيل له : ما الصوت ؛ قال : يتكلم ، ويتحدث ، ويظهر ، ولا بأس بالغزل فيه ، كقوله عليه السلام للأنصار أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم .

[ ص: 188 ] وإنما يستحب الضرب به للنساء ، وجزم به في " الوجيز " ، وظاهر نصه ، وكلام الأصحاب يدل على التسوية ، قيل له : في رواية المروذي ما ترى للناس اليوم تحرك الدف في إملاك أو بناء بلا غناء فلم يكره ذلك ، وختان وقدوم غائب مثله ، نص عليه ، وعلم منه تحريم كل ملهاة سواه ، كمزمار وطنبور ، ورباب ، وجنك ، سواء استعمل لحزن أو سرور ، وسأله ابن الحكم عن النفخ في القصبة كالمزمار ، قال : أكرهه ، وفي القصص وجهان ، وفي " المغني " : لا يكره إلا مع تصفيق أو غناء أو رقص ونحوه ، وكره أحمد الطبل لغير حرب ، واستحبه ابن عقيل; لتنهيض طباع الأولياء ، وكشف صدور الأعداء ، وليس عبثا .



فصل

يتعلق بآداب الأكل وغيره

الأول : يستحب غسل يديه قبل الطعام وبعده - نص عليه - وإن كان على وضوء ، وعنه : يكره قبله ، اختاره القاضي ، واستحبه في المذهب بعد أن قاله عمر ، ويكره بطعام ، ولا بأس بنخالة ، وغسله في الإناء الذي أكل فيه ، نص عليهما ، قال بعضهم : ويكره بدقيق حمص ، وعدس ، وباقل ، ونحوه .

الثاني : أنه إذا قدم إليه الطعام فإنه يحرم أخذه ، فإن علم به بقرينة رضى مالكه ، وفي " الترغيب " : يكره ، وقيل يباح ، وإنه يكره مع ظنه رضاه ، ولا يملكه بتقديمه إليه ، بل يهلك على ملك صاحبه .

الثالث : يلعق أصابعه قبل غسلها أو يلعقها ، ويعرض الماء لغسلهما ، ويقدمه بقرب الطعام وبعده - نص عليه - وإن كان على وضوء ، وعنه : يكره ولا يعرضه - ذكره في " التبصرة " .

[ ص: 189 ] الرابع : يستحب له التسمية في ابتدائه ، ويأكل بيمينه ، ويحمد إذا فرغ ، وقيل : يجب ذلك ، قال الأصحاب : يقول بسم الله ، وفي الخبر المشهور يقول : بسم الله أوله وآخره ، قال الشيخ تقي الدين : لو زاد " الرحمن الرحيم " كان بخلاف الذبح ، ونقل ابن هانئ أنه جعل عند كل لقمة يسمي ويحمد ، قال أحمد : يأكل بالسرور مع الإخوان ، وبالإيثار مع الفقراء ، وبالمروءة مع أبناء الدنيا ، وأكل وحمد خير من أكل وصمت .

الخامس : يستحب الأكل بثلاث أصابع مما يليه ، قال جماعة : والطعام نوع واحد ، قال الآمدي : لا بأس ، وهو وحده ، وقال ابن حامد : ويخلع نعليه .

السادس : يكره عيب الطعام ، وحرمه في " الغنية " ، ونفخه فيه ، وقال الآمدي : لا يكره وهو حار . وأكله حارا ، أو فعل ما يستقذره من غيره ورفع قبلهم بلا قرينة ، ومدح طعامه وتقويمه ، وحرمهما في " الغنية " ، وتنفسه في إنائه ، وأكله من وسطه وأعلاه ، قال أحمد ومتكئا وعلى الطريق قاله في الغنية .

السابع : يكره قرانه في التمر ، وقيل : مع شريك لم يأذن ، قال بعضهم : وكذا قران ما العادة جارية بتناوله مفردا ، ونقل مهنا : أكره أن يستعمل الخبز على المائدة ، ولا بأس بتكسيره ، قال أحمد : لئلا يعرف ما يأكلون .

الثامن : له قطع لحم بسكين ، والنهي عنه لا يصح ، قاله أحمد ، واحتجوا بنهي ضعيف على الكراهة ، ولو على قول ، قال في " الفروع " : فيتوجه هنا مثله بلا حاجة .

[ ص: 190 ] التاسع : يجوز أكله كثيرا حيث لا يؤذيه ، وفي " الغنية " : يكره مع خوف تخمة ، وحرمه الشيخ تقي الدين ، وكذا الإسراف فيه إلى مجاوزة الحد ، ولا بأس بإطعام ما جرت به العادة ، كسائل ، وسنور ، وتلقيم ، وفي تقديم الأظهر جوازه .

العاشر : لا يكره شربه قائما ، نقله الجماعة ، وعنه : بلى ، وسأله صالح عن شربه قائما في نفس ، قال : أرجو ، وفي " الفروع " : ويتوجه كأكل ، وظاهر كلامهم : لا يكره أكله قائما ، ويتوجه كشرب ، قاله شيخنا : وكره أحمد الشرب من في السقاء ، والجلوس بين ظل وشمس ، والنوم بعد العصر وعلى سطح غير محجر ، واستحب القائلة نصف النهار والنوم إذن .

الحادي عشر : لا بأس بالتخليل ، قال في رواية عبد الله ، عن ابن عمر : ترك الخلال يوهن الأسنان ، قال الأطباء : هو نافع للثة وتغير للنكهة .

الثاني عشر : لا بأس أن يخلط المسافرون أزوادهم ويأكلون جميعا ; لأنه فعل السلف نقل أبو داود : لا بأس أن يتناهد في الطعام ويتصدق منه ، لم يزل الناس يفعلونه ، ويتوجه رواية : لا يتصدق منه إلا بإذن .

مسألة : له دخول بيعة وكنيسة والصلاة فيهما ، وعنه : يكره ، وعنه : مع صورة ، وظاهر كلام جماعة : تحريم دخوله معها ، ويحرم شهود عيد ليهود أو نصارى ، نقله مهنا ، وكرهه الخلال ، وفيه تنبيه على المنع أن يفعل كفعلهم ، قاله الشيخ تقي الدين - لا البيع لهم فيها - نقله مهنا ، وحرمه الشيخ تقي الدين ، وخرجه على الروايتين في حمل التجارة إلى دار الحرب وإن مثله مهاداتهم لعيدهم - والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث