الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إذا ادعت المرأة انقضاء عدتها

جزء التالي صفحة
السابق

فصل

وإذا ادعت المرأة انقضاء عدتها ، قبل قولها إذا كان ممكنا ، إلا أن تدعيه بالحيض في شهر ، فلا يقبل إلا ببينة ، ولو أنه امرأة واحدة ، وأقل ما يمكن انقضاء العدة به من الأقراء : تسعة وعشرون يوما ولحظة ، إذا قلنا : الأقراء : الحيض ، وأقل الطهر ثلاثة عشر يوما ، وإن قلنا : الطهر خمسة عشر ، فثلاثة وثلاثون يوما ولحظة ، وإن قلنا : القروء : الأطهار ، فثمانية وعشرون يوما ولحظتان ، وإن قلنا : الطهر خمسة عشر يوما فاثنان وثلاثون يوما ولحظتان ، وإذا قالت : انقضت عدتي ، فقال : قد كنت راجعتك ، فأنكرته - فالقول قولها وإن سبق ، فقال : ارتجعتك ، فقالت : قد انقضت عدتي قبل رجعتك ، فالقول قوله ، وقال الخرقي : القول قولها ، وإن تداعيا معا ، قدم قولها ، وقيل : يقدم قول من تقع له القرعة .

التالي السابق


فصل

( وإذا ادعت المرأة انقضاء عدتها ) بولادة ، أو غيرها ( قبل قولها إذا كان ممكنا ) ؛ لقوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن [ البقرة 228 ] أي : من الحمل ، والحيض ، فلولا أن قولهن مقبول ، لم يحرم عليهن كتمانه ؛ ولأنه أمر يختص بمعرفته ، فكان القول قولها فيه كالنية ، أو أمر لا يعرف إلا من جهتها ، فقبل قولها فيه ، كما يجب على التابعي قبول خبر الصحابي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - ( إلا أن تدعيه بالحيض في شهر ، فلا يقبل إلا ببينة ، ولو أنه امرأة واحدة ) نص عليه ؛ لقول شريح : إذا ادعت أنها حاضت ثلاث حيض في شهر ، وجاءت ببينة ، فقد انقضت عدتها ، وإلا فهي كاذبة ، فقال له علي : قالون ، ومعناه بلسان الرومية : أصبت وأحسنت . ولأنه يندر جدا حصول ذلك في شهر ، فيعمل بالبينة ، بخلاف ما زاد على الشهر ، وكخلاف عادة منتظمة [ ص: 400 ] في الأصح ، وعنه : يقبل قولها مطلقا ، واختاره الخرقي وأبو الفرج ، كثلاثة وثلاثين يوما ، ذكره في " الواضح " و " الطريق الأقرب " ، ولا فرق بين المسلمة والفاسقة وضدهما .

فرع : إذا قالت : انقضت عدتي ، ثم قال : ما انقضت ، فله رجعتها ، ولو قال : أخبرتني بانقضاء عدتها ، ثم راجعتها ، ثم أقرت بكذبها بانقضاء عدتها ، وأنكرت ذلك ، وادعت أن عدتها لم تنقض - فالرجعة صحيحة ؛ لأنها لم تقر بانقضاء عدتها ، وإنما أخبرت به ، وقد رجعت عنه .



( وأقل ما يمكن انقضاء العدة به ) أي : عدة الحرة ( من الأقراء : تسعة وعشرون يوما ولحظة ، إذا قلنا : الأقراء : الحيض ، وأقل الطهر ثلاثة عشر يوما ) وذلك بأن يطلقها مع آخر الطهر ، ثم تحيض يوما وليلة ، ثم تطهر ثلاثة عشر يوما ، ثم تحيض يوما وليلة ، ثم تطهر ثلاثة عشر يوما ، ثم تحيض يوما وليلة ، ثم تطهر لحظة ليعرف بها انقطاع الحيض ، وإن لم تكن هذه اللحظة من عدتها فلا بد منها لمعرفة انقطاع الحيض ، ومن اعتبر الغسل ، فلا بد من وقت يمكن الغسل فيه بعد الانقطاع ( وإن قلنا : الطهر خمسة عشر ، فثلاثة وثلاثون يوما ولحظة ) ؛ لأن الطهرين يزيدان أربعة أيام ( وإن قلنا : القروء : الأطهار ، فثمانية وعشرون يوما ولحظتان ) وهو أن يطلقها من آخر لحظة من طهرها ، فيحسب به قرءا ، ثم يحسب طهرين آخرين ستة وعشرين يوما ، وبينهما حيضتان ، فإذا طغت على الحيضة الثالثة لحظة انقضت عدتها ( وإن قلنا : الطهر خمسة عشر يوما [ ص: 401 ] فاثنان وثلاثون يوما ولحظتان ) زدنا أربعة أيام في الطهرين ، فأما إن كانت أمة ، انقضت عدتها بخمسة عشر يوما ولحظة على الأول ، وفي " الرعاية " : مع بينة على الأصح ، وعلى الثاني بسبعة عشر يوما ولحظة ، وعلى الثالث بأربعة عشر يوما ولحظتين ، وعلى الرابع بستة عشر يوما ولحظتين ، فمتى ادعت انقضاء عدتها بالقروء في أقل من هذا ، لم يقبل قولها عند أحد فيما أعلم ؛ لأنه لا يحتمل صدقها .

تنبيه : إذا قالت : عدتي بوضع حمل مصور وأمكن ، صدقت في المضغة ، وفي يمين من يقبل قوله روايتان ، فإذا عينا وقت حيض ، أو وضع ، واختلفا في سبق الطلاق - قبل قوله في العدة في الأشهر .

قال في " الشرح " : وكل موضع قلنا : القول قولها ، فأنكر الزوج ، فقال الخرقي : عليها اليمين ، وأومأ إليه أحمد في رواية أبي طالب ، وقال القاضي : قياس المذهب : لا يمين ، وأومأ إليه أحمد فقال : لا يمين في نكاح ولا طلاق ؛ لأن الرجعة لا يصح بذلها ، فلا يستحلف فيها كالحدود ، والأول أولى ، فإن نكلت عن اليمين ، فقال القاضي : لا يقضى بالنكول ، وقال المؤلف : ويحتمل أن يستحلف الزوج ، وله رجعتها بناء على القول برد اليمين ؛ لأنه لما وجد النكول منها ظهر صدقه ، وقوي جانبه ، واليمين تشرع في حقه كما شرعت في حق المدعى عليه ؛ لقوة جانبه بالعين في اليد .



( وإذا قالت : انقضت عدتي ، فقال : قد كنت راجعتك ، فأنكرته - فالقول قولها ) ؛ لأن قولها في انقضاء عدتها مقبول ، فصارت دعواه للرجعة بعد الحكم بانقضاء عدتها ، وهذا بخلاف ما إذا ادعى الزوج رجعتها في عدتها ، [ ص: 402 ] فأنكرته ، ونبه عليها بقوله : ( وإن سبق ، فقال : ارتجعتك ، فقالت : قد انقضت عدتي قبل رجعتك ) فأنكرها ( فالقول قوله ) ذكره القاضي ، وأبو الخطاب وصححه ابن حمدان ؛ لأنه ادعى الرجعة قبل الحكم بانقضائها ؛ ولأنه يملك الرجعة وقد صحت في الظاهر ، فلا يقبل قولها في إبطالها ( وقال الخرقي ) والشيرازي ، وابن الجوزي ، ونص عليه ، ذكره في " الواضح " ( القول قولها ) ؛ لأن الظاهر البينونة ، والأصل عدم الرجعة ؛ ولأن من قبل قوله سابقا قبل مسبوقا كسائر الدعاوى ، والأصح قوله ، جزم به في " الترغيب " ، ولم يتعرض الأصحاب لسبق الدعوى ، هل هو عند الحاكم أم لا ؛ ( وإن تداعيا معا ، قدم قولها ) على المذهب ، ذكره ابن المنجا ، وصححه في " الشرح " ، وجزم به في " الوجيز " ؛ لأنه تساقط قولهما مع التساوي ، والأصل عدم الرجعة ( وقيل : يقدم قول من تقع له القرعة ) ذكره أبو الخطاب وغيره ؛ لأن القرعة مرجحة عند الاستواء بدليل الإمامة ، والأذان ، والعتق ونحوها ، وقيل : يقبل قوله ؛ لأن المرأة تدعي ما يرفع الطلاق ، وهو ينكره ، فقبل قوله ، كالمؤلي والعنين إذا ادعيا إصابة امرأته وأنكرته ، وحكى في " الفروع " الأقوال الثلاثة من غير ترجيح " كالمحرر " في القولين المحكيين هنا ، وهذا إذا لم تكن المرأة قد نكحت ، فإذا نكحت بعد انقضاء العدة ، فادعى الزوج الرجعة في العدة ، فإن أقام بينة ، أو صدقاه ، سلمت إليه ، وإن كذباه ولا بينة ، قبل قولها مع يمينها ، وإن صدقته وكذبه الزوج الثاني ، صدق الثاني بيمينه .

أصل : إذا اختلفا في الإصابة ، فقال : قد أصبتك فلي الرجعة ، فأنكرته [ ص: 403 ] أو قالت : قد أصابني فلي المهر - قبل قول المنكر منهما ؛ لأن الأصل معه ، فلا يزول إلا بيقين ، وليس له رجعتها في الموضعين ، فإن كان اختلافهما بعد قبض المهر ، وادعى إصابتها ، فأنكرته - لم يرجع عليها بشيء ؛ لأنه يقر لها به ولا يدعيه ، وإن كان هو المنكر ، رجع عليها بنصفه ، والخلوة كالإصابة في إثبات الرجعة للزوج على المرأة التي خلا بها ، وقال أبو بكر : لا رجعة له عليها إلا أن يصيبها ؛ لأنها غير مصابة ، فلا تستحق رجعتها كالتي لم يخل بها .

ووجه الأول : أنها معتدة يلحقها طلاقه ، فملك رجعتها كالتي أصابها .

فرع : إذا ادعى زوج الأمة بعد عدتها أنه كان راجعها في عدتها ، فأنكرته ، وصدقه مولاها - قبل قولها ، نص عليه ، وقيل : قوله ، فعلى الأول إن علم مولاها صدق الزوج ، لم يحل له وطؤها ولا تزويجها ، وإن علمت هي صدق الزوج في رجعتها ، فهي حرام على سيدها ، ولا يحل لها تمكينه من وطئها إلا مكرهة كما قبل الطلاق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث