الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

استحباب صرفها في الأصناف كلها

جزء التالي صفحة
السابق

ويستحب صرفها في الأصناف كلها ، وإن اقتصر على إنسان واحد أجزأه ، وعنه : لا يجزئه إلا ثلاثة من كل صنف إلا العامل ، فإنه يجوز أن يكون واحدا ، ويستحب صرفها إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم ، ويفرقها فيهم على قدر حاجتهم ، ويجوز دفع زكاته إلى مكاتبه وإلى غريمه .

التالي السابق


( ويستحب صرفها في الأصناف كلها ) أي : الثمانية لكل صنف منها إن وجد حيث وجب الإخراج ، أو فيمن أمكن منهم ؛ لأن في ذلك خروجا من الخلاف ، وتحصيلا للإجزاء يقينا ، وإن اقتصر على إنسان واحد من الأصناف أجزأه في قول جماهير العلماء ، ونص عليه ، واختاره الأصحاب ؛ لقوله تعالى : إن تبدوا الصدقات فنعما هي الآية [ البقرة : 271 ] ولحديث معاذ ، وقوله لقبيصة : " أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها " ، وأمر " بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر " ، ولو وجب الاستيعاب لم يجز صرفها إلى واحد ، ولأنه لا يجب إذا فرقها الساعي ، فكذا المالك ، ولما فيه من الكسر ؛ وهو منفي شرعا ، والآية إنما سيقت لبيان من تصرف إليه ، لا لتعميمهم ، وكالوصية لجماعة [ ص: 431 ] لا يمكن حصرهم ، وشرطه إذا لم يوصله إلى الغنى ذكره الخرقي ، فظاهره لا بد أن ينقص منه ، ونص أحمد وأكثر الأصحاب على خلافه ، لكن لا يزيد عليه ، ونص المؤلف على جواز الدفع إلى واحد دليل على جوازه إلى الصنف من باب أولى .

وعنه : يجب الاستيعاب ، اختاره أبو بكر ، وأبو الخطاب ؛ لأن الله تعالى أضافها إليهم بلام التمليك ، وشرك بينهم ، فلم يجز الاقتصار على بعضهم إلا لضرورة كأهل الخمس ، وعليها : لا يجب التسوية بين الأصناف كالصنف الواحد ، وكالوصية للفقراء بخلاف المعين ، فعلى هذه ( لا يجزئه أقل من ثلاثة من كل صنف ) ، لأنهم أقل الجمع ، فعلى هذا إن دفع إلى اثنين ضمن نصيب الثالث ، وهل يضمنه بالثلث ؛ لأنه القدر المستحب أو بأقل جزء منه ؛ لأنه المجزئ ، فيه وجهان ، كالأضحية إذا أكلها ، وعنه : يجزئ واحد ، اختاره في " الانتصار " ، وصاحب " المحرر " ؛ لأنه لما تعذر الاستغراق حمل على الجنس ، كقوله : لا تزوجت النساء ( إلا العامل فإنه يجوز أن يكون واحدا ) وفاقا ، مع أنه ذكر بلفظ الجمع ؛ لأن ما يأخذه أجرة ، ويسقط سهمه إن فرقها رب المال بنفسه ، فتبقى سبعة .

فرع : من كان فيه سببان أخذ بهما على الروايتين كالميراث ، ولا يجوز أن يعطى بأحدهما لا بعينه لاختلاف أحكامهما في الاستقرار ، وإن أعطي بهما ، وعين لكل سبب قدر ، وإلا كان بينهما نصفين ، وتظهر فائدته لو وجد ما يوجب الرد .

[ ص: 432 ] ( ويستحب ) للمالك ( صرفها إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم ) لقوله - عليه السلام - : " صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة " رواه الترمذي ، والنسائي ، ولأنه لا يرثه بفرض أو تعصيب ، ولا تلزمه نفقته ، وإذا أحضر رب المال إلى العامل من أهله من لا تلزمه نفقته ليدفع إليهم زكاته ، دفعها قبل خلطها بغيرها ، وبعده هم كغيرهم ، ولا يخرجهم منها ؛ لأن فيها ما هم به أخص ، ذكره القاضي ، ( ويفرقها فيهم على قدر حاجتهم ) ؛ لأنها مراعاة ، ويقدم الأقرب والأحوج ، فإن كان الأجنبي أحوج أعطي الكل ، ولم يحاب بها قريبه ، والجار أولى من غيره ، والقريب أولى منه ، نص عليه ، والعالم والدين يقدمان على ضدهما .

( ويجوز دفع زكاته إلى مكاتبه ) نص عليه ؛ لأنه معه كالأجنبي من حرمان أكثر ما بينهما ، ولأن الدفع تمليك ؛ وهو من أهله ، فإذا رده إلى سيده بحكم الوفاء جاز كوفاء الغريم ، وقيده في " الوجيز " وغيره بأن لا يكون حيلة ، ونقل حنبل عن أحمد أنه قال : قال سفيان : لا تعط مكاتبا لك من الزكاة ، وأنا أرى مثله ، واختاره القاضي ، قال المجد : وهو أقيس ؛ لأن تعلق حقه بماله أشد من تعلق حق الوالد بمال الولد ، ( وإلى غريمه ) ؛ لأنه من جملة الغارمين ، وسواء دفعها إليه ابتداء أو استوفى حقه ، ثم دفع إليه ليقضي به دين المقرض ، نص عليه ذلك ، وقال : إن كان حيلة فلا يعجبني ، ونقل عنه ابن القاسم : إن أراد الحيلة لم يصح ولا يجوز ، وبه جزم في " الوجيز " وذكر القاضي وغيره أن المراد بالحيلة أن يعطيه بشرط أن يردها عليه من ذمته فلا يجزئه ؛ لأن من شرطها تمليكا صحيحا ؛ وهو منتف مع الشرط ، وفي " المغني " ، و " الشرح " أنه حصل من كلام أحمد إذا قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه [ ص: 433 ] لم يجز ؛ لأن الزكاة حق الله ، فلا يجوز صرفها إلى نفعه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث