الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 495 ] المسألة الرابعة عشرة

الأمر بالشيء على القصد الأول ليس أمر بالتوابع ، بل التوابع إذا كانت مأمورا بها مفتقرة إلى استئناف أمر آخر والدليل على ذلك ما تقدم من أن الأمر بالمطلقات لا يستلزم الأمر بالمقيدات فالتوابع هنا راجعة إلى تأدية المتبوعات على وجه مخصوص والأمر إنما تعلق بها مطلقا لا مقيدا فيكفي فيها إيقاع مقتضى الألفاظ المطلقة ، فلا يستلزم إيقاعها على وجه مخصوص دون وجه ولا على صفة دون صفة ، فلا بد من تعيين وجه ، أو صفة على الخصوص واللفظ لا يشعر به على الخصوص فهو مفتقر إلى تجديد أمر يقتضي الخصوص ، وهو المطلوب .

فصل

وينبني على هذا أن المكلف مفتقر في أداء مقتضى المطلقات على وجه واحد دون غيره إلى دليل فإنا إذا فرضناه مأمورا بإيقاع عمل من العبادات مثلا من غير تعيين وجه مخصوص فالمشروع فيه على هذا الفرض لا يكون مخصوصا بوجه ولا بصفة ، بل أن يقع على حسب ما تقع الأعمال الاتفاقية الداخلة تحت الإطلاق فالمأمور بالعتق مثلا أمر بالإعتاق مطلقا من غير تقييد [ ص: 496 ] مثلا بكونه ذكرا دون أنثى ولا أسود دون أبيض ولا كاتبا دون صانع ولا ما أشبه ذلك .

فإذا التزم هو في الإعتاق نوعا من هذه الأنواع دون غيره احتاج في هذا الالتزام إلى دليل ، وإلا كان التزامه غير مشروع ، وكذلك إذا التزم في صلاة الظهر مثلا أن يقرأ بالسورة الفلانية دون غيرها دائما ، أو أن يتطهر من ماء البئر دون ماء الساقية ، أو غير ذلك من الالتزامات التي هي توابع لمقتضى الأمر في المتبوعات ، فلا بد من طلب دليل على ذلك ، وإلا لم يصح في التشريع ، وهو عرضة لأن يكر على المتبوع بالإبطال .

وبيانه أن الأمر إذا تعلق بالمأمور المتبوع من حيث الإطلاق ولم يرد عليه أمر آخر يقتضي بعض الصفات ، أو الكيفيات التوابع ، فقد عرفنا من قصد الشارع أن المشروع عمل مطلق لا يختص في مدلول اللفظ بوجه دون وجه ولا وصف دون وصف فالمخصص له بوجه دون وجه ، أو وصف دون وصف لم يوقعه على مقتضى الإطلاق فافتقر إلى دليل يدل على ذلك التقييد ، أو صار مخالفا لمقصود الشارع .

[ ص: 497 ] وقد سئل مالك عن القراءة في المسجد فقال : لم يكن بالأمر القديم ، وإنما هو شيء أحدث ، قال : ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها والقرآن حسن ، وقال أيضا أترى الناس اليوم أرغب في الخير ممن مضى ؟

قال ابن رشد : يريد أن التزام القراءة في المسجد بإثر صلاة من الصلوات ، أو على وجه ما مخصوص حتى يصير ذلك كأنه سنة مثل ما يفعل بجامع قرطبة أثر صلاة الصبح فرأى ذلك بدعة .

قال : وأما القراءة على غير هذا الوجه ، فلا بأس بها في المسجد ولا وجه لكراهيتها والذي أشار إليه مالك هو الذي صرح به في موضع آخر ، فإنه قال في القوم يجتمعون جميعا فيقرءون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية فكره ذلك ، وأنكر أن يكون من عمل الناس .

وسئل مالك عن الجلوس في المسجد يوم عرفة بعد العصر للدعاء فكرهه ، فقيل له : فالرجل يكون في مجلسه فيجتمع الناس إليه ، ويكبرون . [ ص: 498 ] قال : ينصرف ولو أقام في منزله كان خيرا له .

قال ابن رشد : كره هذا ، وإن كان الدعاء حسنا ، وأفضله يوم عرفة ; لأن الاجتماع لذلك بدعة .

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أفضل الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ، وكره مالك في سجود القرآن أن يقصد القارئ مواضع السجود فقط ليسجد فيها ، وكره في المدونة أن يجلس الرجل لمن سمعه يقرأ السجدة لا يريد بذلك تعلما ، [ ص: 499 ] وأنكر على من يقرأ في المساجد ، ويجتمع عليه ورأى أن يقام وفيها : ومن قعد إليه فعلم أنه يريد قراءة سجدة قام عنه ولم يجلس معه .

وقال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : إن أول من أحدث الاعتماد في الصلاة حتى لا يحرك رجليه رجل قد عرف وسمى إلا أني لا أحب أن أذكره ، وكان مساء يعني يساء الثناء عليه .

قال ابن رشد : جائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على إحداهما دون الأخرى ; لأن ذلك ليس من حدود الصلاة ; إذ لم يأت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من السلف والصحابة المرضيين الكرام ، وهو من محدثات الأمور .

وعن مالك نحو هذا في القيام للدعاء ، وفي الدعاء عند ختم القرآن ، [ ص: 500 ] وفي الاجتماع للدعاء عند الانصراف من الصلاة والتثويب للصلاة والزيادة في الذبح على التسمية المعلومة والقراءة في الطواف دائما والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند التعجب ، وأشباه ذلك مما هو كثير في الناس ، يكون الأمر واردا على الإطلاق فيقيد بتقييدات تلتزم من غير دليل دل على ذلك ، وعليه أكثر البدع المحدثات .

وفي الحديث : لا يجعلن أحدكم للشيطان حظا من صلاته يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه .

[ ص: 501 ] وعن ابن عمر وغيره أنه سئل عن الالتفات في الصلاة يمينا وشمالا فقال : بل نلتفت هكذا ، وهكذا ، ونفعل ما يفعل الناس . كأنه كره التزام عدم الالتفات ورآه من الأمور التي لم يرد التزامها .

[ ص: 502 ] وقال عمر : واعجبا لك يا ابن العاص لئن كنت تجد ثيابا أفكل الناس يجد ثيابا والله لو فعلت لكانت سنة ، بل أغسل ما رأيت ، وأنضح ما لم أر .

هذا فيما لم يظهر الدوام فيه فكيف مع الالتزام ؟

والأحاديث في هذا والأخبار كثيرة ، جميعها يدل على أن التزام الخصوصات في الأوامر المطلقة مفتقر إلى دليل ، وإلا كان قولا بالرأي واستنانا بغير مشروع ، وهذه الفائدة انبنت على هذه المسألة مع مسألة أن الأمر بالمطلق لا يستلزم الأمر بالمقيد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث