الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              فصل

              ومن الفوائد في ذلك أن كل ما لا منفعة فيه من المعقود عليه في [ ص: 457 ] المعاوضات لا يصح العقد عليه ، وما فيه منفعة ، أو منافع لا يخلو من ثلاثة أقسام .

              أحدها : أن يكون جميعها حراما أن ينتفع به ، فلا إشكال في أنه جار مجرى ما لا منفعة فيه ألبتة .

              والثاني : أن يكون جميعها حلالا ، فلا إشكال في صحة العقد به وعليه .

              وهذان القسمان وإن تصورا في الذهن بعيد أن يوجدا في الخارج ; إذ ما من عين موجودة يمكن الانتفاع بها والتصرف فيها إلا وفيها جهة مصلحة وجهة مفسدة .

              وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في كتاب المقاصد ، فلا بد من هذا الاعتبار ، وهو ظاهر بالاستقراء فيرجع القسمان إذا إلى القسم الثالث ، وهو أن يكون بعض المنافع حلالا ، وبعضها حراما فهاهنا معظم نظر المسألة ، وهو أولا ضربان :

              أحدهما : أن يكون أحد الجانبين هو المقصود بالأصالة عرفا والجانب الآخر تابع غير مقصود بالعادة إلا أن يقصد على الخصوص ، وعلى خلاف العادة ، فلا إشكال في أن الحكم لما هو مقصود بالأصالة والعرف والآخر لا حكم له ; لأنا لو اعتبرنا الجانب التابع لم يصح لنا تملك عين من الأعيان ولا عقد عليه لأجل منافعه ; لأن فيه منافع محرمة ، وهو من الأدلة على سقوط [ ص: 458 ] الطلب في جهة التابع .

              وقد تقدم بيان هذا المعنى في المسألة السابقة ، وأن جهة التبعية يلغى فيها ما تعلق بها من الطلب فكذلك هاهنا اللهم إلا أن يكون للعاقد قصد إلى المحرم على الخصوص ، فإن هذا يحتمل وجهين .

              الأول : اعتبار القصد الأصيل ، وإلغاء التابع ، وإن كان مقصودا فيرجع إلى الضرب الأول .

              والآخر : اعتبار القصد الطارئ ; إذ صار بطريانه سابقا ، أو كالسابق ، وما سواه كالتابع فيكون الحكم له .

              ومثاله في أصالة المنافع المحللة شراء الأمة بقصد إسلامها للبغاء كسبا به ، وشراء الغلام للفجور به ، وشراء العنب ليعصر خمرا والسلاح لقطع الطريق ، وبعض الأشياء للتدليس بها ، وفي أصالة [ ص: 459 ] المنافع المحرمة شراء الكلب للصيد والضرع والزرع على رأي من منع ذلك ، وشراء السرقين لتدمين المزارع ، وشراء الخمر للتخليل ، وشراء شحم الميتة لتطلى به السفن ، أو يستصبح به الناس ، وما أشبه ذلك .

              والمنضبط هو الأول والشواهد عليه أكثر ; لأن اعتبار ما يقصد بالأصالة ، [ ص: 460 ] والعادة هو الذي جاء في الشريعة القصد إليه بالتحريم والتحليل ، فإن شراء الأمة للانتفاع بها في التسري إن كانت من علي الرقيق ، أو الخدمة إن كانت من الوخش ، وشراء الخمر للشرب والميتة والدم والخنزير للأكل هو الغالب المعتاد عند العرب الذين نزل القرآن عليهم ، ولذلك حذف متعلق التحريم والتحليل في نحو حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله : وأحل لكم ما وراء ذلكم [ النساء : 24 ] فوجه التحليل والتحريم على أنفس الأعيان ; لأن المقصود مفهوم ، وكذلك قال : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [ البقرة : 188 ] .

              إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما [ النساء : 10 ] ، وأشباهه .

              وإن كان ذلك محرما في غير الأكل ; لأن أول المقاصد وأعظمها هو الأكل ، وما سوى ذلك مما يقصد بالتبع ، وما لا يقصد في نفسه عادة إلا بالتبعية لا حكم له ، وقد ورد تحريم الميتة وأخواتها ، وقيل للنبي عليه الصلاة والسلام في شحم الميتة : إنه تطلى به السفن ، ويستصبح به الناس فأورد ما دل على منع البيع ، ولم يعذرهم بحاجتهم إليه في بعض الأوقات ; لأن المقصود هو الأكل محرم ، وقال : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ، وأكلوا أثمانها .

              [ ص: 461 ] وقال في الخمر : إن الذي حرم شربها حرم بيعها ، و إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه لأجل أن المقصود من المحرم في العادة هو الذي توجه إليه التحريم ، وما سواه تبع لا حكم له .

              ولأجل ذلك أجازوا نكاح الرجل ليبر يمينه إذا حلف أن يتزوج على امرأته ، ولم يكن قصده البقاء ; لأن هذا من توابع النكاح التي ليست بمقصودة في أصل النكاح ، ولا تعتبر في أنفسها ، وإنما تعتبر من حيث هي توابع ، ولو كانت التوابع مقصودة شرعا حتى يتوجه عليها مقتضاها من الطلب لم يجز كثير من العقود للجهالة بتلك المنافع المقصودة ، بل لم يجز النكاح ; لأن الرجل إذا [ ص: 462 ] نكح لزمه القيام على زوجته بالإنفاق ، وسائر ما تحتاج إليه زيادة إلى بذل الصداق ، وذلك كله كالعوض من الانتفاع بالبضع ، وهذا ثمن مجهول فالمنافع التابعة للرقبة المعقود عليها ، أو للمنافع التي هي سابقة في المقاصد العادية هي المعتبرة ، وما سواها مما هو تبع لا ينبني عليه حكم إلا أن يقصد قصدا فيكون فيه نظر .

              والظاهر أن لا حكم له في ظاهر الشرع لعموم ما تقدم من الأدلة ، ولخصوص الحديث في سؤالهم عن شحم الميتة ، وأنه مما يقصد لطلاء السفن وللاستصباح ، وكلا الأمرين مما يصح الانتفاع بالشحم فيه على الجملة ، ولكن هذا القصد الخاص لا يعارض القصد العام .

              فإن صار التابع غالبا في القصد ، وسابقا في عرف بعض الأزمنة حتى [ ص: 463 ] يعود ما كان بالأصالة كالمعدوم المطرح فحينئذ ينقلب الحكم ، وما أظن هذا يتفق هكذا بإطلاق ، ولكن إن فرض اتفاقه انقلب الحكم ، والقاعدة مع ذلك ثابتة كما وضعت في الشرع ، وإن لم يتفق ، ولكن القصد إلى التابع كثير فالأصل اعتبار ما يقصد مثله عرفا والمسألة مختلف فيها على الجملة اعتبارا بالاحتمالين ، وقاعدة الذرائع أيضا مبنية على سبق القصد إلى الممنوع ، وكثرة ذلك في ضم العقدين ، ومن لا يراها بنى على أصل القصد في انفكاك العقدين [ ص: 464 ] عرفا ، وأن القصد الأصلي خلاف ذلك .

              والضرب الثاني : أن لا يكون أحد الجانبين تبعا في القصد العادي ، بل كل واحد منهما مما يسبق القصد إليه عادة بالأصالة كالحلي والأواني المحرمة إذا فرضنا العين والصياغة مقصودتين معا عرفا ، أو يسبق كل واحد منهما على الانفراد عرفا فهذا بمقتضى القاعدة المتقدمة لا يمكن القضاء فيه باجتماع الأمر والنهي ; لأن متعلقيهما متلازمان ، فلا بد من انفراد أحدهما ، واطراح الآخر حكما .

              أما على اعتبار التبعية كما مر فيسقط الطلب المتوجه إلى التابع .

              وأما على عدم اعتبارها فيصير التابع عفوا ، ويبقى التعيين فهو محل اجتهاد ، وموضع إشكال ، ويقل وقوع مثل هذا في الشريعة ، وإذا فرض وقوعه فكل أحد ، وما أداه إليه اجتهاده .

              وقد قال المازري في نحو هذا القسم في البيوع : ينبغي أن يلحق بالممنوع ; لأن كون المنفعة المحرمة مقصودة يقتضي أن لها حصة من الثمن ، [ ص: 465 ] والعقد واحد على شيء واحد لا سبيل إلى تبعيضه والمعاوضة على المحرم منه ممنوعة فمنع الكل لاستحالة التمييز ، وإن سائر المنافع المباحة يصير ثمنها مجهولا لو قدر انفراده بالعقد هذا ما قال ، وهو متوجه .

              وأيضا فقاعدة الذرائع تقوى ها هنا إذا قد ثبت القصد إلى الممنوع .

              وأيضا فقاعدة معارضة درء المفاسد لجلب المصالح جارية هنا ; لأن درء المفاسد مقدم ، ولأن قاعدة التعاون هنا تقضي بأن المعاملة على مثل هذا تعاون على الإثم والعدوان ، ولذلك يمنع باتفاق شراء العنب للخمر قصدا ، [ ص: 466 ] وشراء السلاح لقطع الطريق ، وشراء الغلام للفجور ، وأشباه ذلك ، وإن كان ذلك القصد تبعيا فهذا أولى أن يكون متفقا على الحكم بالمنع فيه لكنه من باب سد الذرائع ، وإنما وقع النظر الخلافي في هذا الباب بالنسبة إلى مقطع الحكم ، وكون المعاوضة فاسدة ، أو غير فاسدة .

              وقد تقدم لذلك بسط في كتاب المقاصد .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية