الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الجزية ومقدارها وممن تقبل

جزء التالي صفحة
السابق

فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الجزية ومقدارها وممن تقبل

[ الأمر بأخذ الجزية ]

قد تقدم أن أول ما بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم الدعوة إليه بغير قتال ولا جزية ، فأقام على ذلك بضع عشرة سنة بمكة ، ثم أذن له في القتال لما هاجر من [ ص: 83 ] غير فرض له ، ثم أمره بقتال من قاتله ، والكف عمن لم يقاتله ، ثم لما نزلت ( براءة ) سنة ثمان أمره بقتال جميع من لم يسلم من العرب : من قاتله ، أو كف عن قتاله إلا من عاهده ، ولم ينقصه من عهده شيئا ، فأمره أن يفي له بعهده ، ولم يأمره بأخذ الجزية من المشركين ، وحارب اليهود مرارا ، ولم يؤمر بأخذ الجزية منهم .

ثم أمره بقتال أهل الكتاب كلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ، فامتثل أمر ربه فقاتلهم ، فأسلم بعضهم ، وأعطى بعضهم الجزية ، واستمر بعضهم على محاربته ، فأخذها صلى الله عليه وسلم من أهل نجران وأيلة ، وهم من نصارى العرب ، ومن أهل دومة الجندل ، وأكثرهم عرب ، وأخذها من المجوس ، ومن أهل الكتاب باليمن ، وكانوا يهودا .

ولم يأخذها من مشركي العرب ، فقال أحمد والشافعي : لا تؤخذ إلا من الطوائف الثلاث التي أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ، وهم : اليهود والنصارى والمجوس . ومن عداهم فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل .

وقالت طائفة : في الأمم كلها إذا بذلوا الجزية قبلت منهم أهل الكتابين بالقرآن والمجوس بالسنة ، ومن عداهم ملحق بهم ؛ لأن المجوس أهل شرك لا كتاب لهم ، فأخذها منهم دليل على أخذها من جميع المشركين ، وإنما لم يأخذها صلى الله عليه وسلم من عبدة الأوثان من العرب ؛ لأنهم أسلموا كلهم قبل نزول آية الجزية ، فإنها نزلت بعد تبوك ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرغ من قتال العرب ، واستوثقت كلها له بالإسلام ، ولهذا لم يأخذها من اليهود الذين حاربوه ؛ لأنها لم تكن نزلت بعد ، فلما نزلت أخذها من نصارى العرب ومن المجوس ، ولو بقي حينئذ أحد من عبدة الأوثان بذلها لقبلها منه ، كما قبلها من عبدة الصلبان والنيران ، ولا فرق ولا تأثير لتغليظ كفر بعض الطوائف على بعض ، ثم إن كفر عبدة الأوثان ليس أغلظ من كفر المجوس ، وأي فرق بين عبدة الأوثان والنيران ، بل كفر المجوس أغلظ ، وعباد الأوثان كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ، وأنه لا خالق إلا الله ، وأنهم إنما يعبدون آلهتهم لتقربهم إلى الله سبحانه وتعالى ، ولم يكونوا يقرون بصانعين للعالم ، أحدهما : خالق للخير ، [ ص: 84 ] والآخر للشر ، كما تقوله المجوس ، ولم يكونوا يستحلون نكاح الأمهات والبنات والأخوات ، وكانوا على بقايا من دين إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه .

وأما المجوس فلم يكونوا على كتاب أصلا ، ولا دانوا بدين أحد من الأنبياء ، لا في عقائدهم ولا في شرائعهم ، والأثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب فرفع ورفعت شريعتهم لما وقع ملكهم على ابنته لا يصح البتة ، ولو صح لم يكونوا بذلك من أهل الكتاب ، فإن كتابهم رفع وشريعتهم بطلت فلم يبقوا على شيء منها .

ومعلوم أن العرب كانوا على دين إبراهيم عليه السلام ، وكان له صحف وشريعة ، وليس تغيير عبدة الأوثان لدين إبراهيم عليه السلام وشريعته بأعظم من تغيير المجوس لدين نبيهم وكتابهم لو صح ، فإنه لا يعرف عنهم التمسك بشيء من شرائع الأنبياء عليهم الصلوات والسلام ، بخلاف العرب ، فكيف يجعل المجوس الذين دينهم أقبح الأديان أحسن حالا من مشركي العرب ، وهذا القول أصح في الدليل كما ترى .

وفرقت طائفة ثالثة بين العرب وغيرهم ، فقالوا : تؤخذ من كل كافر إلا مشركي العرب .

ورابعة : فرقت بين قريش وغيرهم ، وهذا لا معنى له ، فإن قريشا لم يبق فيهم كافر يحتاج إلى قتاله وأخذ الجزية منه البتة ، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل هجر ، وإلى المنذر بن ساوى ، وإلى ملوك الطوائف يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية ، ولم يفرق بين عربي وغيره .

وأما حكمه في قدرها ، فإنه بعث معاذا إلى اليمن ، وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو قيمته معافر ، وهي ثياب معروفة باليمن . ثم زاد فيها عمر [ ص: 85 ] رضي الله عنه فجعلها أربعة دنانير على أهل الذهب ، وأربعين درهما على أهل الورق في كل سنة ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم علم ضعف أهل اليمن ، وعمر رضي الله عنه علم غنى أهل الشام وقوتهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث