الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل المحبة المحمودة والمحبة المذمومة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

المحبة المحمودة والمحبة المذمومة

[ ص: 199 ] ولما كانت المحبة جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف ، كان أغلب ما يذكر فيها في حق الله تعالى ما يختص به ويليق به من أنواعها ، وما لا تصلح إلا له وحده ، مثل العبادة والإنابة ونحوها ، فإن العبادة لا تصلح إلا له وحده ، وكذا الإنابة ، وقد ذكر المحبة باسمها المطلق كقوله تعالى : فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه [ سورة المائدة : 54 ] .

وقوله تعالى : ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [ سورة البقرة : 165 ] .

وأعظم أنواع المحبة المذمومة : المحبة مع الله التي يسوي المحب فيها بين محبته لله ومحبته للند الذي اتخذه من دونه .

وأعظم أنواعها المحمودة : محبة الله وحده ، وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها ، والمحبة المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها التي لا يبقى في العذاب إلا أهلها ، فأهل المحبة الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يدخلون النار ، ومن دخلها منهم بذنوبه فإنه لا يبقى فيها منهم أحد .

ومدار القرآن على الأمر بتلك المحبة ولوازمها ، والنهي عن المحبة الأخرى ولوازمها ، وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين ، وذكر قصص النوعين ، وتفصيل أعمال النوعين وأوليائهم ومعبود كل منهما ، وإخباره عن فعله بالنوعين ، وعن حال النوعين في الدور الثلاثة : دار الدنيا ، ودار البرزخ ، ودار القرار ، والقرآن جاء في شأن النوعين .

وأصل دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم ، إنما هي عبادة الله وحده لا شريك له ، المتضمنة لكمال حبه ، وكمال الخضوع والذل له ، والإجلال والتعظيم ، ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى .

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين .

وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : يا رسول الله والله [ ص: 200 ] لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ، فقال : لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك ، قال : والذي بعثك بالحق لأنت أحب إلي من نفسي ، قال : الآن يا عمر .

فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ووجوب تقديمها على محبة نفس الإنسان وولده ووالده والناس أجمعين ، فما الظن بمحبة مرسله سبحانه وتعالى ، ووجوب تقديمها على محبة ما سواه ؟ .

ومحبة الرب سبحانه تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها وإفراده سبحانه بها : فإن الواجب له من ذلك كله أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده ، بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه ، فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب إليه من ذلك كله ، والشيء قد يحب من وجه دون وجه ، وقد يحب بغيره ، وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده ، ولا تصلح الألوهية إلا له ، و لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [ سورة الأنبياء : 22 ] .

والتأله : هو المحبة والطاعة والخضوع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث