الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر

جزء التالي صفحة
السابق

1142 (94) باب

الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر

[ 583 ] عن ابن عمر قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا عجل به السير ، جمع بين المغرب والعشاء .

وفي رواية قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أعجله السير في السفر يؤخر صلاة المغرب ، حتى يجمع بينها وبين صلاة العشاء .

رواه أحمد (2 \ 7 و 51)، والبخاري (1092)، ومسلم (703) (42)، وأبو داود (1207 - 1217)، والترمذي (555)، والنسائي (1 \ 287 و 289) .

[ ص: 343 ]

التالي السابق


[ ص: 343 ] (94) ومن باب : الجمع بين الصلاتين

المراد في هذا الباب من الجمع : إنما هو إخراج إحدى الصلاتين المشتركتين عن وقت جوازها ، وإيقاعها في وقت الأخرى مضمومة إليها ، وهو إنما يكون في الصلوات المشتركة الأوقات ، وهي : الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، ولا يكون في غيرها بإجماع ، ثم الجمع : متفق عليه ، ومختلف فيه :

فالأول : هو الجمع بعرفة والمزدلفة ، والمختلف فيه : هو الجمع في السفر ، والمطر ، والمرض . فأما الجمع في السفر فإليه ذهب جماعة السلف وفقهاء المحدثين والشافعي ، وهو مشهور مذهب مالك ، وهل ذلك لمجرد السفر ؟ أو لا بد معه من جد السير ؟ قولان . بالأول قال جمهور السلف وعلماء الحجاز وفقهاء المحدثين وأهل الظاهر . وبالثاني قال مالك والليث والثوري والأوزاعي ، وأبى أبو حنيفة وحده الجمع للمسافر ، وكرهه الحسن وابن سيرين ، وروي عن مالك كراهيته ، وروي عنه أنه كرهه للرجال دون النساء .

[ ص: 344 ] وأحاديث ابن عمر وأنس ومعاذ المذكورة في هذا الباب حجة على أبي حنيفة . لكن أبو حنيفة تأولها على أن الصلاة الأولى وقعت في آخر وقتها ، والثانية وقعت في أول وقتها ، وهذا يجوز باتفاق .

وقد جاء في حديث معاذ في كتاب أبي داود : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا ، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ، ثم سار . وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء ، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب ، وهذا حجة ظاهرة للجمهور في الرد على أبي حنيفة . وأما الجمع لعذر المطر : فقال به مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور السلف : بين المغرب والعشاء ، وأما بين الظهر والعصر : فقال بالجمع بينهما في المطر الوابل : الشافعي وأبو ثور والطبري وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر والليث : من الجمع في صلاتي الليل والنهار . وأما الجمع لعذر المرض فقال به مالك : إذا خاف الإغماء على عقله ، وأبى ابن نافع الجمع لذلك ، وقال : لا يجمع قبل الوقت ، فمن أغمي عليه حتى ذهب وقته لم يجب عليه قضاؤه ، ومنعه أيضا أشهب والشافعي .

وذهب كافة العلماء إلى منع الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر إلا شذوذا ; منهم من السلف : ابن سيرين ، ومن أصحابنا أشهب ; فأجاز ذلك للحاجة ما لم تتخذ عادة ، ونحوه لعبد الملك في الظهر والعصر . وحجتهم في ذلك حديث ابن عباس .

وقوله في حديث أنس وابن عمر : إذا عجل به السير : حجة ظاهرة لمشترط [ ص: 345 ] جد السير في الجمع ، ولا تعارض هذه الأحاديث التي لم يذكر فيها ذلك ; لأن الحجة في المنقول لا في المسكوت عنه ، ويتعين حمل المطلق منهما على المقيد هنا لاتحاد الموجب والموجب ، وهو موضع اتفاق الأصوليين في حمل المطلق على المقيد . وإنما خص ابن عمر صلاة المغرب والعشاء بالذكر ، ولم يذكر العصر ; لوقوع الجمع له بين المغرب والعشاء ، وهو الذي سأله عنه نافع ، فأجاب عما سئل عنه حين استصرخ على امرأته صفية بنت أبي عبيد ، فاستعجل بالجمع بين المغرب والعشاء ، وسئل فأجاب بما ذكر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث