الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الرجل لامرأته : الحقي بأهلك

ثبت في " صحيح البخاري " : ( أن ابنة الجون لما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودنا منها ، قالت : أعوذ بالله منك ، فقال : عذت بعظيم ، الحقي بأهلك ) .

وثبت في " الصحيحين " : أن كعب بن مالك رضي الله عنه لما أتاه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن يعتزل امرأته قال لها : ( الحقي بأهلك )

[ ص: 289 ] فاختلف الناس في هذا ، فقالت طائفة : ليس هذا بطلاق ، ولا يقع به الطلاق ، نواه أو لم ينوه ، وهذا قول أهل الظاهر . قالوا : والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عقد على ابنة الجون ، وإنما أرسل إليها ليخطبها .

قالوا : ويدل على ذلك ما في " صحيح البخاري " : من حديث حمزة بن أبي أسيد ، عن أبيه ، أنه ( كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أتي بالجونية ، فأنزلت في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل في نخل ، ومعها دابتها ، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هبي لي نفسك " فقالت : وهل تهب الملكة نفسها للسوقة ، فأهوى ليضع يده عليها لتسكن ، فقالت : أعوذ بالله منك ، فقال : " قد عذت بمعاذ ، ثم خرج فقال : " يا أبا أسيد اكسها رازقيين ، وألحقها بأهلها )

وفي " صحيح مسلم " : عن سهل بن سعد قال : ( ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من العرب ، فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها ، فأرسل إليها فقدمت ، فنزلت في أجم بني ساعدة ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءها دخل عليها ، فإذا امرأة منكسة رأسها ، فلما كلمها قالت : أعوذ بالله منك ، قال : " قد أعذتك مني " فقالوا لها : أتدرين من هذا ؟ قالت : لا ، قالوا : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جاءك ليخطبك ، قالت : أنا كنت أشقى من ذلك )

قالوا : وهذه كلها أخبار عن قصة واحدة في امرأة واحدة في مقام واحد ، وهي صريحة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن تزوجها بعد ، وإنما دخل عليها ليخطبها .

وقال الجمهور - منهم الأئمة الأربعة وغيرهم - بل هذا من ألفاظ الطلاق إذا نوى به الطلاق ، وقد ثبت في " صحيح البخاري " : أن أبانا إسماعيل بن إبراهيم [ ص: 290 ] طلق به امرأته لما قال لها إبراهيم : ( مريه فليغير عتبة بابه " ، فقال لها : أنت العتبة ، وقد أمرني أن أفارقك ، الحقي بأهلك ) وحديث عائشة كالصريح ، في أنه صلى الله عليه وسلم كان عقد عليها ، فإنها قالت لما أدخلت عليه ، فهذا دخول الزوج بأهله ، ويؤكده قولها : ودنا منها . وأما حديث أبي أسيد ، فغاية ما فيه قوله : ( هبي لي نفسك ) وهذا لا يدل على أنه لم يتقدم نكاحه لها ، وجاز أن يكون هذا استدعاء منه صلى الله عليه وسلم للدخول لا للعقد . وأما حديث سهل بن سعد ، فهو أصرحها ، في أنه لم يكن وجد عقد ، فإن فيه أنه صلى الله عليه وسلم لما جاء إليها ، قالوا : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليخطبك ، والظاهر أنها هي الجونية ؛ لأن سهلا قال في حديثه : فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها ، فأرسل إليها .

فالقصة واحدة ، دارت على عائشة رضي الله عنها وأبي أسيد وسهل ، وكل منهم رواها ، وألفاظهم فيها متقاربة ، ويبقى التعارض بين قوله : جاء ليخطبك ، وبين قوله : فلما دخل عليها ودنا منها ، فإما أن يكون أحد اللفظين وهما ، أو الدخول ليس دخول الرجل على امرأته ، بل الدخول العام وهذا محتمل .

وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة إسماعيل صريح ، ولم يزل هذا اللفظ من الألفاظ التي يطلق بها في الجاهلية والإسلام ، ولم يغيره النبي صلى الله عليه وسلم ، بل أقرهم عليه ، وقد أوقع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الطلاق ، وهم القدوة : بأنت حرام ، وأمرك بيدك ، واختاري . ووهبتك لأهلك ، وأنت خلية ، وقد خلوت مني ، وأنت برية ، وقد أبرأتك ، وأنت مبرأة ، وحبلك على غاربك ، وأنت الحرج .

فقال علي وابن عمر : ( الخلية ثلاث ) وقال عمر : ( واحدة وهو أحق بها ) وفرق معاوية بين رجل وامرأته قال لها : إن خرجت فأنت خلية ، وقال علي وابن عمر رضي الله [ ص: 291 ] عنهما ، وزيد في البرية : إنها ثلاث . وقال عمر رضي الله عنه : ( هي واحدة وهو أحق بها ) وقال علي في الحرج : هي ثلاث ، وقال عمر : واحدة ، وقد تقدم ذكر أقوالهم في أمرك بيدك وأنت حرام .

والله سبحانه ذكر الطلاق ، ولم يعين له لفظا ، فعلم أنه رد الناس إلى ما يتعارفونه طلاقا ، فأي لفظ جرى عرفهم به ، وقع به الطلاق مع النية .

والألفاظ لا تراد لعينها ، بل للدلالة على مقاصد لافظها ، فإذا تكلم بلفظ دال على معنى ، وقصد به ذلك المعنى ، ترتب عليه حكمه ، ولهذا يقع الطلاق من العجمي والتركي والهندي بألسنتهم ، بل لو طلق أحدهم بصريح الطلاق بالعربية ، ولم يفهم معناه لم يقع به شيء قطعا ، فإنه تكلم بما لا يفهم معناه ولا قصده ، وقد دل حديث كعب بن مالك على أن الطلاق لا يقع بهذا اللفظ وأمثاله إلا بالنية .

والصواب أن ذلك جار في سائر الألفاظ صريحها وكنايتها ، ولا فرق بين ألفاظ العتق والطلاق ، فلو قال : غلامي غلام حر لا يأتي الفواحش ، أو أمتي أمة حرة لا تبغي الفجور ، ولم يخطر بباله العتق ولا نواه ، لم يعتق بذلك قطعا ، وكذلك لو كانت معه امرأته في طريق فافترقا ، فقيل له أين امرأتك ؟ فقال : فارقتها ، أو سرح شعرها وقال : سرحتها ولم يرد طلاقا ، لم تطلق . كذلك إذا ضربها الطلق وقال لغيره إخبارا عنها بذلك : إنها طالق لم تطلق بذلك ، وكذلك إذا كانت المرأة في وثاق فأطلقت منه ، فقال لها : أنت طالق ، وأراد من الوثاق .

هذا كله مذهب مالك وأحمد في بعض هذه الصور ، وبعضها نظير ما نص عليه ، ولا يقع الطلاق به حتى ينويه ويأتي بلفظ دال عليه ، فلو انفرد أحد الأمرين عن الآخر ، لم يقع الطلاق ، ولا العتاق ، وتقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية وإن كان تقسيما صحيحا في أصل الوضع ، لكن يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة ، فليس حكما ثابتا للفظ لذاته ، فرب لفظ صريح عند قوم كناية عند آخرين ، أو صريح في زمان أو مكان كناية في غير ذلك الزمان والمكان ، والواقع شاهد بذلك ، فهذا لفظ السراح لا يكاد أحد يستعمله في الطلاق لا صريحا ولا [ ص: 292 ] كناية ، فلا يسوغ أن يقال إن من تكلم به ، لزمه طلاق امرأته نواه أو لم ينوه ، ويدعي أنه ثبت له عرف الشرع والاستعمال ، فإن هذه دعوى باطلة شرعا واستعمالا ، أما الاستعمال فلا يكاد أحد يطلق به البتة ، وأما الشرع فقد استعمله في غير الطلاق ، كقوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ) [ الأحزاب : 49 ] فهذا السراح غير الطلاق قطعا ، وكذلك الفراق استعمله الشرع في غير الطلاق ، كقوله تعالى : ( ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) إلى قوله : ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ) [ الطلاق : 2 ] فالإمساك هنا : الرجعة ، والمفارقة : ترك الرجعة لا إنشاء طلقة ثانية ، هذا مما لا خلاف فيه البتة ، فلا يجوز أن يقال : إن من تكلم به طلقت زوجته ، فهم معناه أو لم يفهم ، وكلاهما في البطلان سواء ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث