الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فصل

من فاتته صلاة فريضة وجب قضاؤها وينبغي أن يقضيها على الفور ، فإن أخرها ففيه كلام نذكره في الحج إن شاء الله تعالى .

فإن قضى فائتة الليل بالليل جهر ، وإن قضى فائتة النهار بالنهار أسر ، وإن قضى فائتة النهار ليلا أو عكس فالاعتبار بوقت القضاء على الأصح ، وعلى الثاني بوقت الفوائت .

قلت : صلاة الصبح ، وإن كانت نهارية ، فهي في القضاء جهرية ولوقتها ، حكم الليل في الجهر ، وإطلاقهم محمول على هذا . والله أعلم .

ويستحب في قضاء الصلوات الترتيب ، ولا يجب في قضائها ولا بين فريضة الوقت والمقضية . فإن دخل وقت فريضة وتذكر فائتة ، فإن اتسع وقت الحاضرة استحب البداءة بالفائتة ، وإن ضاق وجب تقديم الحاضرة ، ولو [ ص: 270 ] تذكر الفائتة بعد شروعه في الحاضرة ، أتمها ، ضاق الوقت ، أم اتسع ، ثم يقضي الفائتة ، ويستحب أن يعيد الحاضرة بعدها .

قلت : ولو شرع في الفائتة معتقدا أن في الوقت سعة فبان ضيقه ، وجب قطعها والشروع في الحاضرة على الصحيح ، وعلى الشاذ يجب إتمام الفائتة .

ولو تذكر فائتة وهناك جماعة يصلون في الحاضرة ، والوقت متسع ، فالأولى أن يصلي الفائتة أولا منفردا ؛ لأن الترتيب مختلف في وجوبه ، والقضاء خلف الأداء مختلف في جوازه فاستحب الخروج من الخلاف .

ولو فاته صلوات لا يعرف قدرها ، ويعلم أنها لا تنقص عن عشر صلوات ولا تزيد على عشرين ، فوجهان :

أحدهما : يلزمه العشر ، وأصحهما : العشرون .

واعلم أن الصلاة تشتمل على فرائض وسنن ، كما سبق ، ولها شروط سيأتي بيانها في بابها ، إن شاء الله تعالى .

قال صاحب ( التهذيب ) : شروط الصلاة قبل الشروع فيها ، خمسة : الطهارة عن الحدث والنجس ، وستر العورة ، واستقبال القبلة ، والعلم بدخول الوقت يقينا أو ظنا بالاجتهاد ونحوه ، والخامس : العلم بفرضية الصلاة ومعرفة أعمالها .

قال : فإن جهل فرضية أصل الصلاة ، أو علم أن بعض الصلوات فريضة ، لكن لم يعلم فرضية الصلاة التي شرع فيها لم تصح صلاته .

وكذا إذا لم يعرف فرضية الوضوء . أما إذا علم فرضية الصلاة ، ولم يعلم أركانها ، فله ثلاثة أحوال ؛ أحدها : أن يعتقد جميع أفعالها سنة ، والثاني : أن يعتقد بعضها فرضا ، وبعضها سنة ، ولا يعرف تمييزها ، فلا تصح صلاته قطعا . صرح به القاضي حسين ، وصاحب ( التتمة ) و ( التهذيب ) .

الثالث : أن يعتقد جميع أفعالها فرضا ، فوجهان حكاهما القاضي حسين ، وصاحب ( التهذيب ) :

أحدهما : لا تصح صلاته ؛ لأنه ترك معرفة ذلك ، وهي واجبة وأصحهما : تصح ، وبه قطع صاحب ( التتمة ) لأنه ليس فيه أكثر من أنه أدى سنة باعتقاد الفرض ، وذلك لا يؤثر . قال في ( التهذيب ) : فإن لم نصحح صلاته ، [ ص: 271 ] ففي صحة وضوئه في هذه الصورة ، وجهان :

هكذا ذكروا هذه المسائل ، ولم يفرقوا بين العامي وغيره ، وقال الغزالي في ( الفتاوى ) : العامي الذي لا يميز فرائض صلاته من سننها ، تصح صلاته بشرط أن لا يقصد التنفل بما هو فرض .

فإن نوى التنفل به ، لم يعتد به ، فإذا غفل عن التفصيل ، فنية الجملة في الابتداء كافية . هذا كلام الغزالي ، وهو الظاهر الذي يقتضيه ظواهر أحوال الصحابة رضي الله عنهم ، فمن بعدهم .

ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ألزم الأعراب ذلك ، ولا أمر بإعادة صلاة من لا يعلم هذا . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث