الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون وهم أهل العلم

جزء التالي صفحة
السابق

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون وهم أهل العلم

6881 حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسماعيل عن قيس عن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون

التالي السابق


قوله : باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ) هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم عن ثوبان ، وبعده : لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك . وله من حديث جابر مثله ، لكن قال " يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة " وله من حديث معاوية المذكور في الباب نحوه .

قوله ( وهم أهل العلم ) هو من كلام المصنف وأخرج الترمذي حديث الباب ثم قال سمعت محمد بن إسماعيل هو البخاري يقول : سمعت علي بن المديني يقول هم أصحاب الحديث . وذكر في " كتاب خلق أفعال العباد " عقب حديث أبي سعيد في قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا هم الطائفة المذكورة في حديث " لا تزال طائفة من أمتي " ثم ساقه وقال وجاء نحوه عن أبي هريرة ومعاوية وجابر وسلمة بن نفيل وقرة بن إياس انتهى . وأخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن أحمد إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم ، ومن طريق يزيد بن هارون مثله . وزعم بعض الشراح أنه استفاد ذلك من حديث معاوية لأن فيه " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " وهو في غاية البعد ، وقال الكرماني يؤخذ من الاستقامة المذكورة في الحديث الثاني [ ص: 307 ] أن من جملة الاستقامة أن يكون التفقه ، لأنه الأصل قال وبهذا ترتبط الأخبار المذكورة في حديث معاوية ، لأن الاتفاق لا بد منه ، أي المشار إليه بقوله : وإنما أنا قاسم ويعطي الله عز وجل " .

قوله ( حدثنا عبيد الله بن موسى ) هو العبسي بالموحدة ثم المهملة الكوفي من كبار شيوخ البخاري ، وهو من أتباع التابعين وشيخه في هذا الحديث " إسماعيل " هو ابن أبي خالد تابعي مشهور ، وشيخ إسماعيل " قيس " هو ابن أبي حازم من كبار التابعين ، وهو مخضرم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ولهذا الإسناد حكم الثلاثيات وإن كان رباعيا ، وقد تقدم بعد علامات النبوة ببابين من رواية يحيى القطان عن إسماعيل أنزل من هذا بدرجة ، ورجال سند الباب كلهم كوفيون لأن المغيرة ولي إمرة الكوفة غير مرة وكانت وفاته بها وقد اتفق الرواة عن إسماعيل على أنه عن قيس عن المغيرة ، وخالفهم أبو معاوية فقال عن سعيد بدل المغيرة فأورده أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام ، وقال الصواب قول الجماعة عن المغيرة ، وحديث سعد عند مسلم لكن من طريق ابن عثمان عن سعد .

قوله ( لا تزال ) بالمثناة أوله وفي رواية مسلم من طريق مروان الفزاري عن إسماعيل : لن يزال قوم " وهذه بالتحتانية والباقي مثله لكن زاد " ظاهرين على الناس " .

قوله ( حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ) أي على من خالفهم أي غالبون ، أو المراد بالظهور أنهم غير مستترين بل مشهورون والأول أولى ، وقد وقع عند مسلم من حديث جابر بن سمرة لن يبرح هذا الدين قائما تقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة وله في حديث عقبة بن عامر : لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وقد ذكرت الجمع بينه وبين حديث : لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس في أواخر " كتاب الفتن " والقصة التي أخرجها مسلم أيضا من حديث عبد الله بن عمرو لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ، هم شر من أهل الجاهلية ، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم ومعارضة عقبة بن عامر بهذا الحديث فقال عبد الله أجل ، ثم يبعث الله ريحا كريح المسك ، فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة . وقد أشرت إلى هذا قريبا إلى الكلام على حديث " قبض العلم " وأن هذا أولى ما يتمسك به في الجمع بين الحديثين المذكورين ، وذكرت ما نقله ابن بطال عن الطبري في الجمع بينهما ، أن شرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة يكونون بموضع مخصوص ، وأن موضعا آخر يكون به طائفة يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالفهم ، ثم أورد من حديث أبي أمامة نحو حديث الباب ، وزاد فيه قيل يا رسول الله وأين هم ؟ قال ببيت المقدس وأطال في تقرير ذلك وذكرت أن المراد بأمر الله : هبوب تلك الريح وأن المراد بقيام الساعة : ساعتهم وأن المراد بالذين يكونون ببيت المقدس : الذين يحصرهم الدجال إذا خرج فينزل عيسى إليهم فيقتل الدجال ، ويظهر الدين في زمن عيسى ، ثم بعد موت عيسى تهب الريح المذكورة ، فهذا هو المعتمد في الجمع ، والعلم عند الله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث