الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الحجة على من قال إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة وما كان يغيب بعضهم من مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام

جزء التالي صفحة
السابق

باب الحجة على من قال إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة وما كان يغيب بعضهم من مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام

6920 حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن جريج حدثني عطاء عن عبيد بن عمير قال استأذن أبو موسى على عمر فكأنه وجده مشغولا فرجع فقال عمر ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ائذنوا له فدعي له فقال ما حملك على ما صنعت فقال إنا كنا نؤمر بهذا قال فأتني على هذا ببينة أو لأفعلن بك فانطلق إلى مجلس من الأنصار فقالوا لا يشهد إلا أصاغرنا فقام أبو سعيد الخدري فقال قد كنا نؤمر بهذا فقال عمر خفي علي هذا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألهاني الصفق بالأسواق [ ص: 333 ]

التالي السابق


[ ص: 333 ] قوله : باب الحجة على من قال إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة ) أي للناس لا تخفى إلا على النادر ، وقوله " وما كان يغيب بعضهم عن مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام " كذا للأكثر وفي رواية النسفي وعليها شرح ابن بطال " مشاهده " ولبعضهم " مشهد " بالإفراد ، ووقع في مستخرج أبي نعيم " وما كان يفيد بعضهم بعضا " بالفاء والدال من الإفادة ولم أره لغيره " وما " في قوله " ما كان " موصولة ، وجوز بعضهم أن تكون نافية ، وأنها من بقية القول المذكور ، وظاهر السياق يأباه ، وهذه الترجمة معقودة لبيان أن كثيرا من الأكابر من الصحابة كان يغيب عن بعض ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم أو يفعله من الأعمال التكليفية ، فيستمر على ما كان اطلع عليه هو إما على المنسوخ لعدم اطلاعه على ناسخه ، وإما على البراءة الأصلية ، وإذا تقرر ذلك قامت الحجة على من قدم عمل الصحابي الكبير ، ولا سيما إذا كان قد ولي الحكم على رواية غيره متمسكا بأن ذلك الكبير لولا أن عنده ما هو أقوى من تلك الرواية لما خالفها ، ويرده أن في اعتماد ذلك ترك المحقق للمظنون وقال ابن بطال : أراد الرد على الرافضة والخوارج الذين يزعمون أن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم وسننه منقولة عنه نقل تواتر ، وأنه لا يجوز العمل بما لم ينقل متواترا ، قال : وقولهم مردود بما صح أن الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض ، ورجع بعضهم إلى ما رواه غيره ، وانعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد . قلت : وقد عقد البيهقي في المدخل باب الدليل على أنه قد يعزب على المتقدم الصحبة الواسع العلم الذي يعلمه غيره ، ثم ذكر حديث أبي بكر في الجدة وهو في الموطأ ، وحديث عمر في الاستئذان وهو المذكور في هذا الباب ، وحديث ابن مسعود في الرجل الذي عقد على امرأة ثم طلقها فأراد أن يتزوج أمها ، فقال : لا بأس وإجازته بيع الفضة المكسرة بالصحيحة متفاضلا ، ثم رجوعه عن الأمرين معا لما سمع من غيره من الصحابة النهي عنهما ، وأشياء غير ذلك ، وذكر فيه حديث البراء " ليس كلنا كان يسمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم ، كانت لنا صنعة وأشغال ، ولكن كان الناس لا يكذبون ، فيحدث الشاهد الغائب " وسنده ضعيف . وكذا حديث أنس " ما كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه ولكن لم يكذب بعضنا بعضا " ثم سرد ما رواه صحابي عن صحابي مما وقع في الصحيحين ، وقال في هذا دلالة على إتقانهم في الرواية ، وفيه أبين الحجة وأوضح الدلالة على تثبيت خبر الواحد ، وأن بعض السنن كان يخفى عن بعضهم ، وأن الشاهد منهم كان يبلغ الغائب ما شهد ، وأن الغائب كان يقبله ممن حدثه ويعتمده ويعمل به . قلت : خبر الواحد في الاصطلاح خلاف المتواتر ، سواء كان من رواية شخص واحد أو أكثر ، وهو المراد بما وقع فيه الاختلاف ويدخل فيه خبر الشخص [ ص: 334 ] الواحد دخولا أوليا ، ولا يرد على من عمل به ما وقع في حديث الباب من طلب عمر من أبي موسى البينة على حديث الاستئذان فإنه لم يخرج مع شهادة أبي سعيد له وغيره عن كونه خبر واحد ، وإنما طلب عمر من أبي موسى البينة للاحتياط كما تقدم شرحه واضحا في " كتاب الاستئذان " وإلا فقد قبل عمر حديث عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس ، وحديثه في الطاعون ، وحديث عمرو بن حزم في التسوية بين الأصابع في الدية ، وحديث الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها ، وحديث سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين إلى غير ذلك ، وتقدم في العلم من حديث عمر أنه كان يتناوب النبي صلى الله عليه وسلم هو ورجل من الأنصار فينزل هذا يوما وهذا يوما ، ويخبر كل منهما الآخر بما غاب عنه ، وكان غرضه بذلك تحصيل ما يقوم بحاله وحال عياله ليغنى عن الاحتياج لغيره ، ليتقوى على ما هو بصدده من الجهاد ، وفيه أنه لا يشترط على من أمكنته المشافهة أن يعتمدها ، ولا يكتفي بالواسطة لثبوت ذلك من فعل الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بغير نكير ، وأما حديث أبي هريرة ثاني حديثي الباب ، فإن فيه بيان السبب في خفاء بعض السنن على بعض كبار الصحابة ، وقوله وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق ، وهو موافق لقول عمر في الذي قبله " ألهاني الصفق بالأسواق " يشير إلى أنهم كانوا أصحاب تجارة ، وقد تقدم ذلك في أوائل البيوع ، وتوجيه قول عمر " ألهاني " واختلف على الزهري في الواسطة بينه وبين أبي هريرة فيه كما بينته في العلم ، وتقدم عنه من رواية مالك مثله لكن عند مالك زيادة ليست في رواية سفيان هذه ، وهي قوله " ولولا آيتان من كتاب الله " وفي رواية سفيان مما ليس في رواية مالك قوله " والله الموعد " وكذلك ما في آخره كما سأبينه ، وأما إبراهيم بن سعد فذكر الحديث بتمامه فهو أتم الجميع سياقا ، وثبت ذلك في رواية شعيب في البيوع بزيادة سأبينها لكن لم يقع عنده ذكر الآيتين ، وقد تقدم هذا الحديث في العلم من طريق مالك ، وفي المزارعة من طريق إبراهيم بن سعد كلاهما عن الزهري عن الأعرج ، وتقدم في أول البيوع من رواية شعيب وأخرجه مسلم من رواية يونس كلاهما عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث