الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( باب الطواف ) اعلم بأن الطواف أربعة ثلاثة في الحج وواحد في العمرة :

أما أحد الأطوفة في الحج فهو طواف التحية ، ويسمى طواف القدوم وطواف اللقاء ، وذلك عند ابتداء وصوله إلى البيت ، وهو سنة عندنا ، وقال مالك رحمه الله تعالى هو واجب لأن { النبي صلى الله عليه وسلم أتى به ثم قال لأصحابه رضي الله عنهم خذوا عني مناسككم } فهذا أمر ، والأمر على الوجوب ، ولأن المقصود زيارة البيت للتعظيم فالنسك الذي يكون عند ابتداء الزيارة يكون واجبا بمنزلة الذكر عند افتتاح الصلاة ، وهو التكبير ، وحجتنا في ذلك أن الله عز وجل أمر بالطواف ، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار ، وبالإجماع طواف يوم النحر واجب فعرفنا أن ما تقدم ليس بواجب ، ولأنه ثبت بالإجماع أن الطواف الذي هو ركن في الحج مؤقت بيوم النحر حتى لا يجوز قبله فما يؤتى به قبل يوم النحر لا يكون واجبا لأنه يؤتى به في الإحرام ، ولا يتكرر ركن واحد في الإحرام واجبا كالوقوف بعرفة فجعلناه سنة لهذا بخلاف طواف الصدر فإنه يؤتى به بعد تمام التحلل فلو جعلناه واجبا لا يؤدي إلى تكرار الطواف واجبا في الإحرام ، والطواف في الحج بمنزلة ثناء الافتتاح في الصلاة لأن التلبية عند الإحرام هنا كالتكبير هناك ، وكما أن ثناء الافتتاح الذي يؤتى به عقيب التكبير سنة فكذلك الطواف الذي يؤتى به عقيب الإحرام سنة . ومما يحتج به مالك رحمه الله تعالى أن السعي الذي بعد هذا الطواف واجب ، ولا يكون الواجب بناء على ما ليس بواجب ، وقد بينا العذر عن هذا فيما مضى .

والطواف الثاني طواف الزيارة ، وهو ركن الحج ثبت بقوله تعالى { ، وليطوفوا بالبيت العتيق } ، وبقوله تعالى { يوم الحج الأكبر } ، والمراد به طواف الزيارة .

والطواف الثالث طواف الصدر ، وهو واجب عندنا سنة عند الشافعي رحمه الله تعالى قال لأنه بمنزلة طواف القدوم ألا ترى أن كل واحد منهما [ ص: 35 ] يأتي به الآفاقي دون المكي ، وما يكون من واجبات الحج فالآفاقي والمكي فيه سواء .

( ولنا ) في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف } ، ورخص للنساء الحيض ، والأمر دليل الوجوب ، وتخصيص الحائض برخصة الترك دليل على الوجوب أيضا ، وكما أن طواف الزيارة لتمام التحلل عن إحرام الحج فطواف الصدر لانتهاء المقام بمكة فيكون واجبا على من ينتهي مقامه بها ، وهو الآفاقي أيضا الذي يرجع إلى أهله دون المكي الذي لا يرجع إلى موضع آخر ، ويسمى هذا طواف الوداع فإنما يجب على من يودع البيت دون من لا يودعه فأما الطواف الرابع فهو طواف العمرة ، وهو الركن في العمرة ، وليس في العمرة طواف الصدر ، ولا طواف القدوم أما طواف القدوم فلأنه كما وصل إلى البيت يتمكن من أداء الطواف الذي هو ركن في هذا النسك فلا يشتغل بغيره بخلاف الحج فإنه عند القدوم لا يتمكن من الطواف الذي هو ركن الحج فيأتي بالطواف المسنون إلى أن يجيء وقت الطواف الذي هو ركن ، وأما طواف الصدر فقد قال الحسن رحمه الله تعالى في العمرة طواف الصدر أيضا في حق من قدم معتمرا إذا أراد الرجوع إلى أهله كما في الحج ، ولكنا نقول إن معظم الركن في العمرة الطواف ، وما هو معظم الركن في النسك لا يتكرر عند الصدر كالوقوف في الحج لأن الشيء الواحد لا يجوز أن يكون معظم الركن في نسك ، وهو بعينه غير ركن في ذلك النسك ، ولأن ما هو معظم الركن مقصود ، وطواف الصدر تبع يجب لقصد توديع البيت ، والشيء الواحد لا يكون مقصودا وتبعا

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث