الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل في المزارعة تجوز المزارعة بجزء معلوم يجعل للعامل من الزرع فإن كان في الأرض شجر فزارعه على الأرض وساقاه على الشجر صح ، ولا يشترط كون البذر من رب الأرض ، وظاهر المذهب اشتراطه ، وإن شرط رب الأرض أن يأخذ مثل بذره ويقتسما الباقي ، أو شرطا لأحدهما قفزانا معلومة أو دراهم معلومة أو زرع ناحية معينة من الأرض فسدت المزارعة والمساقاة ، ومتى فسدت فالزرع لصاحب البذر وعليه أجرة صاحبه . فصل في المزارعة

هي مفاعلة من الزرع ، وهي دفع أرض وحب لمن يزرعه ، ويقوم عليه بجزء مشاع معلوم منه .

( تجوز المزارعة بجزء ) مشاع ( يجعل للعامل من الزرع ) هذا قول أكثر العلماء ، قال البخاري : قال أبو جعفر : ما بالمدينة أهل بيت إلا يزرعون على الثلث ، والربع ، وزارع علي ، وابن مسعود ، وسعد ، وعمر بن عبد العزيز ، والقاسم ، وعروة ، وآل أبي [ ص: 56 ] بكر ، وآل عمر ، وابن سيرين ، وعامل عمر على أنه إن جاء بالبذر فله الشطر ، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا ، وحكى أبو الخطاب في المساقاة رواية بمنعها ، وعن ابن عباس الأمران ، وحديث رافع وإن كان في الصحيحين ففيه اضطراب كثير ، قال ابن المنذر : وقد أنكره فقيهان من الصحابة زيد بن ثابت ، وابن عباس ، لا يقال : أحاديثكم محمولة على الأرض التي بين النخيل ، وأحاديث النهي على الأرض البيضاء ; لأنه بعيد من أوجه : أولا : أنه يبعد أن تكون بلدة كبيرة يأتي منها أربعون ألف وسق ، وليس فيها أرض بيضاء ، وتبعد معاملتهم بعضهم على بعض لنقل الرواة القصة على العموم ، ثانيا : لا دليل على ما ذكرتم من التأويل ، وما قلناه ورد مفسرا ، ثالثا : إن قولكم يفضي إلى تقييد كل من الحديثين ، وما ذكرناه فيه حمل أحدهما على الآخر ، رابعا : إن عمل الخلفاء والفقهاء من الصحابة وغيرهم دال على ما ذكرنا ، خامسا : إن مذهبنا صار مجمعا عليه فلا يجوز لأحد خلافه مع أن القياس يقتضيه ; لأن الأرض عين تنمي بالعمل ، فجازت المعاملة عليها ببعض نمائها كالمال في المضاربة ، والنخل في المساقاة ، والحاجة داعية إليها لكون أصحاب الأرض لا يقدرون على زرعها ، والأكثر يحتاجون إلى الزرع ولا أرض ، فاقتضت الحكمة جوازها ، قال الشيخ تقي الدين : هي أحل من الإجارة لاشتراكهما في المغنم والمغرم ( فإن كان في الأرض شجر فزارعه على الأرض وساقاه على الشجر صح ) لأن كل واحد منهما عقد لو انفرد لصح ، فكذا إذا اجتمعا ، وسواء قل بياض الأرض أو كثر ، نص عليه ، وسواء تساوى نصيب العامل فيهما أو اختلف ، وسواء كان بلفظ المعاملة أو المساقاة [ ص: 57 ] فلو زارعه على أرض فيها شجر لم يجز للعامل اشتراط ثمرتها ; لأنه اشترط كل الثمرة ، فلم يجز كما لو كان الشجر أكثر من الثلث .

فرع : لا تجوز إجارة أرض وشجر فيها ، قال أحمد : أخاف أنه استأجر شجرا لم يثمر ، وذكر أبو عبيد تحريمه إجماعا ، وجوزه ابن عقيل تبعا ولو كان الشجر أكثر ; لأن عمر ضمن حديقة أسيد بن حضير لما مات ثلاث سنين لوفاء دينه ، رواه حرب وغيره ، ولأنه وضع الخراج على أرض الخراج وهو أجرة ، وجوز الشيخ تقي الدين إجارة الشجر مفردا ، ويقوم عليها المستأجر كأرض لزرع ، فإن تلفت الثمرة فلا أجرة ، وإن نقصت عن العادة فالفسخ أو الأرش لعدم المنفعة المقصودة بالعقد ، وهو كجائحة ( ولا يشترط كون البذر من رب الأرض ) فيجوز أن يخرجه العامل في قول عمر وابن مسعود وغيرهما ، ونص عليه في رواية مهنا ، وصححه في " المغني " ، و " الشرح " واختاره أبو محمد الجوزي ، والشيخ تقي الدين ; لأن الأصل المعول عليه في المزارعة قضية خيبر ، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن البذر على المسلمين ( وظاهر المذهب اشتراطه ) نص عليه في رواية جماعة ، واختاره عامة الأصحاب لأنهما يشتركان في نمائه ، فوجب أن يكون رأس المال من أحدهما كالمضاربة ، ورد بأنه قياس في مقابلة نص ، ثم هو منقوض بما إذا اشترك مالان وبدن أحدهما .

تنبيه : إذا كان البذر بينهما نصفين ، وشرطا المناصفة في الزرع فهو بينهما سواء قيل بصحة المزارعة ، أو فسادها ، فإن حكم بصحتها لم يرجع أحدهما على الآخر بشيء ، وإن حكمنا بفسادها فعلى العامل نصف أجر الأرض ، وله على ربها [ ص: 58 ] نصف أجر عمله ، فيتقاصان بقدر الأقل منهما ، ويرجع أحدهما على الآخر بالفضل ، وإن شرطا التفاضل في الزرع فطاهر على الصحة ، وعلى الفساد الزرع بينهما على قدر البذر ، ويتراجعان كما ذكرنا .

( وإن شرط رب الأرض أن يأخذ مثل بذره ويقتسما الباقي ) لم يصح كأنه اشترط لنفسه قفزانا معلومة ، وهو شرط فاسد تفسد به المزارعة ; لأن الأرض لم تخرج إلا ذلك القدر فيختص به المالك ، وربما لا تخرجه ، وموضوعها على الاشتراك ( أو شرطا لأحدهما قفزانا معلومة ) لما ذكرنا ( أو دراهم معلومة ) لأنه ربما لا تخرج الأرض ما يساوي ذلك ، فيؤدي إلى الضرر ( أو أو زرع ناحية معينة من الأرض فسدت المزارعة والمساقاة ) بإجماع العلماء كأن يشترط ما على الجداول ، قيل : وهي المخابرة سواء كان منفردا ، أو شرطه مع نصيبه ; لأن الخبر الصحيح في النهي عنه غير معارض ولا منسوخ ، ولأنه ربما تلف ما عين له دون الآخر ، فينفرد أحدهما بالغلة دون صاحبه ( ومتى فسدت فالزرع لصاحب البذر ) لأنه عين ماله ينقلب من حال إلى حال ، وينمو فهو كأغصان الشجر إذا غرس ( وعليه أجرة صاحبه ) لأنه دخل على أن يأخذ ما سمي له ، فإذا فات رجع إلى بدله لكونه لم يرض بالعمل مجانا ، فعلى المذهب إن كان البذر من العامل فهو له ، وعليه أجرة مثل الأرض لربها وهي المخابرة ، وإن كان البذر من رب الأرض فهو له ، وعليه أجرة مثل العامل ، وإن كان منهما فالزرع بينهما ، ويتراجعان بالفاضل .

فرع : يشترط معرفة جنس البذور ولو تعدد وقدره ، فلو دفعه إلى [ ص: 59 ] صاحب أرض ليزرعه فيها وما يخرج يكون بينهما فهو فاسد ; لأن البذر ليس من رب الأرض ، ولا من العامل ، فالزرع لمالك البذر ، وعليه أجرة الأرض ، والعمل ، وقيل : يصح ، مأخوذ من مسألة الاشتراك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث