الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية الثالثة قوله تعالى ومما رزقناهم ينفقون

الآية الثالثة قوله تعالى : { ومما رزقناهم ينفقون } [ ص: 18 ] فيها مسألتان : المسألة الأولى : في اشتقاق النفقة : وهي عبارة عن الإتلاف ، ولتأليف " نفق " في لسان العرب معان ، أصحها الإتلاف ، وهو المراد هاهنا ، يقال نفق الزاد ينفق إذا فني ، وأنفقه صاحبه : أفناه ، وأنفق القوم : فني زادهم ، ومنه قوله تعالى : { إذا لأمسكتم خشية الإنفاق }

المسألة الثانية : في وجه هذا الإتلاف : وذلك يختلف ، إلا أنه لما اتصل بالمدح تخصص من إجماله جملة .

وبعد ذلك التخصيص اختلف العلماء فيه على خمسة أقوال : الأول : أنه الزكاة المفروضة ، عن ابن عباس .

الثاني : أنه نفقة الرجل على أهله قاله ابن مسعود .

الثالث : صدقة التطوع قاله الضحاك .

الرابع : أنه وفاء الحقوق الواجبة العارضة في المال باختلاف الأحوال ما عدا الزكاة .

الخامس : أن ذلك منسوخ بالزكاة .

التوجيه : أما وجه من قال : " إنه الزكاة " فنظر إلى أنه قرن بالصلاة ، والنفقة المقترنة [ في كتاب الله تعالى ] بالصلاة هي الزكاة .

وأما من قال : إنه النفقة على عياله فلأنه أفضل النفقة .

روي { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل : عندي دينار : قال : أنفقه على نفسك قال : عندي آخر ، قال : أنفقه على أهلك } ، وذكر الحديث ، فبدأ بالأهل بعد النفس .

[ ص: 19 ] وفي الصحيح { أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الصدقة على القرابة صدقة وصلة }

وأما من قال : إنه صدقة التطوع فنظر إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها ، وهو الزكاة ، فإذا جاءت بلفظ الصدقة احتملت الفرض والتطوع ، وإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم يكن إلا التطوع .

وأما من قال : إنه في الحقوق العارضة في الأموال ما عدا الزكاة فنظر إلى أن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا ، ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها .

وأما من قال : إنه منسوخ فنظر إلى أنه لما كان بهذا الوجه فرضا سوى الزكاة ، وجاءت الزكاة المفروضة فنسخت كل صدقة جاءت في القرآن ، كما نسخ صوم رمضان كل صوم ، ونسخت الصلاة كل صلاة .

ونحو هذا جاء في الأثر التنقيح : إذا تأمل اللبيب المنصف هذه التوجيهات تحقق أن الصحيح المراد بقوله : { يؤمنون بالغيب } : كل غيب أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كائن ، وقوله : { ويقيمون الصلاة } : عام في كل صلاة فرضا كانت أو نفلا .

وقوله : { ومما رزقناهم ينفقون } عام في كل نفقة ، وليس في قوة هذا الكلام القضاء بفرضية ذلك كله ، وإنما علمنا الفرضية في الإيمان والصلاة والنفقة من دليل آخر ، وهذا القول بمطلقه يقتضي مدح ذلك كله خاصة كيفما كانت صفته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث