الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية السادسة قوله تعالى وعلامات وبالنجم هم يهتدون

الآية السادسة قوله تعالى : { وعلامات وبالنجم هم يهتدون }

فيها ثلاث مسائل : [ ص: 128 ]

المسألة الأولى : قال مجاهد : من النجوم ما يكون علامات ، ومنها ما يهتدون به .

وقال قتادة : خلق الله هذه النجوم لثلاث خصال : جعلها الله زينة للسماء ، وجعلها يهتدون بها ، وجعلها رجوما للشياطين . فمن تعاطى منها غير ذلك سفه رأيه ، وأخطأ حظه ، وأضاع نفسه ، وتكلف ما لا علم له به .

وقد بينا في كتب الأصول وشرح الحديث تحقيق ذلك وتبيانه .

المسألة الثانية : قوله : { وبالنجم } : فيه ثلاثة أقوال :

الأول : أن الألف واللام للجنس . والمراد به جمع النجوم [ ولا يهتدي بها إلا العارف ] .

الثاني : أن المراد به الثريا .

الثالث : أن المراد به الجدي والفرقدان .

فأما جميع النجوم فلا يهتدي بها إلا العارف بمطالعها ومغاربها ، والمفرق بين الجنوبي والشمالي منها ; وذلك قليل في الآخرين .

وأما الثريا فلا يهتدي بها إلا من يهتدي بجميع النجوم ، وإنما الهدي لكل أحد بالجدي والفرقدين ; لأنهما من النجوم المنحصرة المطلع ، الظاهرة السمت ، الثابتة في المكان فإنها تدور على القطب الثابت دورانا محصلا ، فهي أبدا هدي الخلق في البر إذا عميت الطرق ، وفي البحر عند مجرى السفن ، وعلى القبلة إذا جهل السمت ، وذلك على الجملة بأن تجعل القطب على ظهر منكبك الأيسر ، فما استقبلت فهو سمت الجهة ، وتحديدها في الإبصار أنك إذا نظرت الشمس في اليوم الرابع والعشرين من كانون الأول طالعة فاجعل بين وجهك وبينها في التقدير ذراعا ، وتكون مستقبلا [ ص: 129 ] للكعبة على التقريب ، سالكا إلى التحقيق .

وقد بينا ذلك في كتب الفقه وشرح الحديث .

المسألة الثالثة ومن الناس من قال : إنها يهتدى بها في الأنواء ، فإن الله قدر المنازل ، ونزل فيها الكواكب ، ورتب لها مطالع ومغارب ، وربط بها عادة نزول الغيث ، وبهذا عرفت العرب أنواءها ، وتنظرت سقياها ، وأضافت كثرة السقيا إلى بعض ، وقلتها إلى آخر .

ويروى في الأثر أن عمر قال للعباس : كم بقي لنوء الثريا ؟ فقال له : إن العرب تقول : إنها تدور في الأفق سبعا ، ثم يدر الله الغيث ، فما جاءت السبع حتى غيث الناس .

وفي الموطإ : إذا نشأت بحرية ، ثم تشاءمت فتلك عين غديقة .

ومن البلاد ما يكون مطرها بالصبا ، ومنها ما يكون مطرها بالجنوب ، ويزعم أهلها أن ذلك إنما يدور على البحر ، فإذا جرت الريح ذيلها على البحر ألقحت السحاب منه ، وإذا جرت ذيلها على البيداء جاءت سحابا عقيما ، وهذا فاسد من وجهين :

أحدهما : أنا لا نمنع ذلك في قدرة الله ; فإن ربنا قادر على أن ينشئ الماء في السحاب إنشاء ، وهو قادر على أن يسيب له ماء البحر الملح ويصعده بعد أن كان مستفلا ، ويحلولي بتدبيره ، وقد كان ملحا ، وينزله إلينا فراتا عذبا ; ولكن تعيين أحد الوجهين لا يكون بنظر ; لأنه ليس في العقل لذلك أثر ، وإنما طريقه الخبر ، فنحن نقول : هو جائز ، ولو أخبر به الصادق لكان واجبا .

الثاني : أن الشمال تسميها العرب المجرة ; لأنها تمخر السحاب ، ولا تمطر معها ، وقد تأتي بحرية وبرية ، فدل هذا على أن الأمر موقوف على المشيئة ; وأنه لا يخبر عن الآثار العلوية إلا السنة النبوية ، لا العقول الأرسطاليسية .

فإن قيل : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أجمعت عليه الأئمة : { قال [ ص: 130 ] الله تعالى : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب } .

قلنا : إنما خرج هذا على قول العرب التي كانت تعتقد أن ذلك من تأثير الكواكب لجاهليتها .

وأما من اعتقدها وقتا ومحلا وعلامة ينشئه الله فيها ويدبره عليها فليس من الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى .

وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف ، وسيأتي إن شاء الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث