الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الآية السابعة عشرة قوله تعالى : { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } . فيها تسع مسائل :

المسألة الأولى : هذه الآية نزلت في المرتدين ، وقد تقدم ذكر بعض من أحكام الردة في سورة المائدة ، وبينا أن الكفر بالله كبيرة محبطة للعمل ، سواء تقدمها إيمان أو لم يتقدم ، والكافر أو المرتد هو الذي جرى بالكفر لسانه ، مخبرا عما انشرح به من الكفر صدره ، فعليه من الله الغضب ، وله العذاب الأليم ، إلا من أكره ، وهي : [ ص: 160 ]

المسألة الثانية : فذكر استثناء من تكلم بالكفر بلسانه عن إكراه ، ولم يعقد على ذلك قلبه ، فإنه خارج عن هذا الحكم ، معذور في الدنيا ، مغفور في الأخرى . والمكره : هو الذي لم يخل وتصريف إرادته في متعلقاتها المحتملة لها ، فهو مختار ، بمعنى أنه بقي له في مجال إرادته ما يتعلق به على البدل ، وهو مكره بمعنى أنه حذف له من متعلقات الإرادة ما كان تصرفها يجري عليه قبل الإكراه ، وسبب حذفها قول أو فعل ; فالقول هو التهديد ، والفعل هو أخذ المال ، أو الضرب ، أو السجن ، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في سورة يوسف .

وقد اختلف الناس في التهديد ، هل هو إكراه أم لا ؟ والصحيح أنه إكراه ; فإن القادر الظالم إذا قال لرجل : إن لم تفعل كذا وإلا قتلتك ، أو ضربتك ، أو أخذت مالك ، أو سجنتك ، ولم يكن له من يحميه إلا الله ، فله أن يقدم على الفعل ، ويسقط عنه الإثم في الجملة ، إلا في القتل ، فلا خلاف بين الأمة أنه إذا أكره عليه بالقتل أنه لا يحل له أن يفدي نفسه بقتل غيره ; ويلزمه أن يصبر على البلاء الذي ينزل به ، ونسأل الله العافية في الدنيا والآخرة .

واختلف في الزنا ، والصحيح أنه يجوز له الإقدام عليه ، ولا حد عليه ، خلافا لابن الماجشون ، فإنه ألزمه الحد ; لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور عليها إكراه ، ولكنه غفل عن السبب في باعث الشهوة ، وأنه باطل . وإنما وجب الحد على شهوة بعث عليها سبب اختياري ، فقاس الشيء على ضده ، فلم يحل بصواب من عنده .

وأما الكفر بالله فذلك جائز له بغير خلاف على شرط أن يلفظ بلسانه ، وقلبه منشرح بالإيمان ، فإن ساعد قلبه في الكفر لسانه كان آثما كافرا ; لأن الإكراه لا سلطان له في الباطن ، وإنما سلطته على الظاهر ; بل قد قال المحققون من علمائنا : إنه [ ص: 161 ] إذا تلفظ بالكفر أنه لا يجوز له أن يجري على لسانه إلا جريان المعاريض ، ومتى لم يكن كذلك كان كافرا أيضا . وهو الصحيح ; فإن المعاريض أيضا لا سلطان للإكراه عليها ، مثاله أن يقال له : اكفر بالله ، فيقول : أنا كافر بالله ، يريد باللاهي ، ويحذف الياء كما تحذف من الغازي والقاضي والرامي ، فيقال : الغاز والقاض ذرة .

وكذلك إذا قيل له : اكفر بالنبي ، فيقول : هو كافر بالنبي ، وهو يريد بالنبي المكان المرتفع من الأرض .

فإن قيل له : اكفر بالنبيء مهموزا ، يقول : أنا كافر بالنبيء بالهمز ، ويريد به المخبر أي مخبر كان ، أو يريد به النبيء الذي قال فيه الشاعر :

فأصبح رتما دقاق الحصى مكان النبيء من الكاثب

ولذلك يحكى عن بعض العلماء من زمن فتنة أحمد بن حنبل على خلق القرآن أنه دعي إلى أن يقول بخلق القرآن ، فقال : القرآن والتوراة والإنجيل والزبور يعددهن بيده هذه الأربعة مخلوقة ، يقصد هو بقلبه أصابعه التي عدد بها ، وفهم الذي أكرهه أنه يريد الكتب الأربعة المنزلة من الله على أنبيائه ، فخلص في نفسه ، ولم يضره فهم الذي أكرهه .

ولما كان هذا أمرا متفقا عليه عند الأئمة ، مشهورا عند العلماء ألف في ذلك شيخ اللغة ورئيسها أبو بكر بن دريد كتاب الملاحن للمكرهين ، فجاء ببدع في العالمين ، ثم ركب عليه المفجع الكابت ، فجمع في ذلك مجموعا وافرا حسنا ، استولى فيه على الأمد ، وقرطس الغرض .

المسألة الثالثة : هذا يدل على أن الكفر ليس بقبيح لعينه وذاته ; إذ كان كذلك لما حسنه الإكراه ، ولكن الأمر كما قال علماؤنا من أهل السنة أن الأشياء لا تقبح لذواتها ولا تحسن لذواتها ; وإنما تقبح وتحسن بالشرع ; فالقبيح ما نهى الشرع عنه ، والحسن ما أمر الشرع به .

[ ص: 162 ] والدليل على صحة ذلك أن القتل الواقع اعتداء يماثل القتل المستوفى قصاصا في الصورة والصفة ، بدليل أن الغافل عن سببهما لا يفرق بينهما ، وكذلك الإيلاج في الفرج عن نكاح ، يماثل الإيلاج عن سفاح في اللذات والحركات ، إنما فرق بينهما الإذن ; وكذلك الكفر الذي يصدر عن الإكراه يماثل الصادر عن الاختيار ; ولكن فرق بينهما إذن الشرع في أحدهما وحجره في الآخر ، وقد أحكمنا ذلك في كتب الأصول .

المسألة الرابعة : إن الكفر وإن كان بالإكراه جائزا عند العلماء فإن من صبر على البلاء ولم يفتتن حتى قتل فإنه شهيد ، ولا خلاف في ذلك ، وعليه تدل آثار الشريعة التي يطول سردها ، وإنما وقع الإذن وخصه من الله رفقا بالخلق ، وإبقاء عليهم ، ولما في هذه الشريعة من السماحة ، ونفي الحرج ، ووضع الإصر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث