الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الخامس : الخروج عن شبهة القمار بأن لا يخرج جميعهم ، فإن كان الجعل من الإمام أو من أحد غيرهما ، أو من أحدهما على أن من سبق أخذه جاز ، وإن جاءا معا فلا شيء لهما ، وإن سبق المخرج أحرز سبقه ولم يأخذ من الآخر شيئا ، وإن سبق الآخر أحرز سبق صاحبه ، فإن أخرجا معا لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللا يكافئ فرسه فرسيهما ، أو بعيره بعيريهما ، أو رميه رمييهما ، فإن سبق أحرز سبقيهما ، وإن سبقاه أحرزا سبقيهما ولم يأخذا منه شيئا ، وإن سبق أحدهما أحرز السبقين ، وإن سبق معه المحلل فسبق الآخر بينهما ، وإن قال المخرج : من سبق فله عشرة ، ومن صلى فله كذلك لم يصح ، وإن قال : من صلى فله خمسة صح ، وإن شرطا أن السابق يطعم السبق أصحابه أو غيرهم لم يصح الشرط ، وفي صحة المسابقة وجهان .

التالي السابق


( الخامس : الخروج عن شبهة القمار ) لأن القمار محرم ، فشبهه مثله ( بأن لا يخرج جميعهم ) لأنه إذا أخرج كل واحد منهم فهو قمار ; لأنه لا يخلو إما أن يغنم [ ص: 125 ] أو يغرم . ومن لم يخرج بقي سالما من الغرم ( فإن كان الجعل من الإمام ) صح سواء كان من ماله ، أو من بيت المال ; لأن فيه مصلحة ، وحثا على تعليم الجهاد ، ونفعا للمسلمين ، ونص على أنه مختص به لتوليه الولايات ( أو من أحد غيرهما ، أو من أحدهما على أن من سبق أخذه جاز ) لأنه إذا جاز من غيرهما ، فلأن يجوز من أحدهما بطريق الأولى ، ويشترط في غير الإمام بذل العوض من ماله ، فيقول : إن سبقتني ، فلك عشرة ، وإن سبقتك فلا شيء عليك ( وإن جاءا معا فلا شيء لهما ) لأنه لا سابق فيهما ( وإن سبق المخرج أحرز سبقه ) أي سبق نفسه ( ولم يأخذ من الآخر شيئا ) لأنه لو أخذ منه شيئا كان قمارا ( وإن سبق الآخر أحرز سبق صاحبه ) أي سبق المخرج ; لأنه سبقه ، فملك المال الذي جعله عوضا في الجعالة كالعوض المجعول في رد الضالة ، فإن كان العوض في الذمة فهو دين يقضى به عليه ، ويجبر على تسليمه إن كان موسرا ، وإن أفلس ضرب به مع الغرماء .

تنبيه : السبق بفتح الباء الجعل الذي يسابق عليه ، يقال : سبق إذا أخذ وأعطى فهو من الأضداد .

( فإن أخرجا معا ) أي العوض ( لم يجز ) وكان قمارا ( إلا أن يدخلا بينهما محللا ) فإنه يجوز أن يخرجا سواء أخرجاه متساويا ، أو متفاضلا ، ولم يجز أن يخرج المحلل شيئا ، وهو قول سعيد بن المسيب ، والزهري ، والأوزاعي لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس قمارا ، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن [ ص: 126 ] أن يسبق فهو قمار رواه أبو داود ، فجعله قمارا إذا أمن السبق ; لأنه لا يخلو كل واحد منهما أن يغنم أو يغرم ، وإذا لم يأمن أن يسبق لم يكن قمارا ; لأن كل واحد منهما يجوز أن يخلو عن ذلك ويشترط في المحلل أن ( يكافئ فرسه فرسيهما ، أو بعيره بعيريهما ، أو رميه رمييهما ) للخبر السابق ( فإن سبق أحرز سبقيهما ) اتفاقا ; لأنه جعل لمن سبق ( وإن سبقاه أحرزا سبقيهما ) لأن المحلل لم يسبقهما ( ولم يأخذا منه ) أي من المحلل ( شيئا ) لأنه لم يشترط عليه لمن سبقه شيئا ( وإن سبق أحدهما أحرز السبقين ) لأنهما قد جعلاه لمن سبق ، وقد وجد ( وإن سبق معه المحلل فسبق الآخر بينهما ) أي بين السابق والمحلل نصفين لأنهما قد اشتركا فيه فوجب أن يشتركا في عوضه ، وسواء كان المستبقون اثنين أو أكثر ، وظاهره أنه يكفي محلل واحد ، وقال الآمدي : لا يجوز أكثر لدفع الحاجة ، وقيل : بل أكثر ، وجزم به في " الشرح " ، واختار الشيخ تقي الدين لا محلل ، وأنه أولى بالعدل من كون السبق من أحدهما ، وأبلغ في تحصيل مقصود كل منهما ، وهو بيان عجز الآخر .

( وإن قال المخرج ) أي من غير المتسابقين ( من سبق فله عشرة ، ومن صلى فله كذلك لم يصح ) إذا كانا اثنين ; لأنه لا فائدة في طلب السبق فلا يحرص عليه ; لأنه سواء بينهما ، وإن كانوا أكثر من ثلاثة فقال ذلك صح ; لأن كل واحد منهم يطلب أن يكون سابقا أو مصليا ( وإن قال : من صلى فله خمسة صح ) لأن كلا منهما يجتهد أن يكون سابقا ليحرز أكثر العوضين ، والمصلي هو الثاني ; لأن رأسه عند صلا الآخر ، والصلوان هما العظمان [ ص: 127 ] النائبان من جانب الذنب ، وفي الأثر عن علي قال : سبق أبو بكر ، وصلى عمر ، وخبطتنا فتنة ، قال الشاعر :


إن تبتدر غاية يوما لمكرمة تلق السوابق فينا والمصلينا

فإن قال : للمجلي - وهو الأول - مائة ، وللمصلي وهو الثاني تسعون ، وللتالي وهو الثالث ثمانون ، وللبارع وهو الرابع سبعون ، وللمرتاح وهو الخامس ستون ، وللحظي وهو السادس خمسون ، وللعاطف وهو السابع أربعون ، وللمؤمل وهو الثامن ثلاثون ، وللطيم وهو التاسع عشرون ، وللسكيت وهو العاشر عشرة ، وللفسكل وهو الآخر خمسة ، صح ; لأن كل واحد يطلب السبق ، أو ما يليه ، وذكر الثعالبي في " فقه اللغة " أن المجلي هو الثاني ، والمصلي هو الثالث ، فلو جعل للمصلي أكثر من المجلي أو جعل لما بعده أكثر منه أو لم يجعل للمصلي شيئا لم يصح لأنه يفضي إلى أن لا يقصد السبق بل يقصد التأخر ، فيفوت المقصود .

مسألة : إذا قال لعشرة : من سبق منكم فله عشرة ، فسبق اثنان ، فهي بينهما ، وإن سبق تسعة وتأخر واحد ، فالعشرة للتسعة ، وقيل : لكل من السابقين عشرة ، كما لو قال : من رد عبدي فله عشرة ، فرد كل واحد عبدا ، وفارق ما لو قال : من رد عبدي فرده تسعة ; لأن كل واحد منهم لم يرده ، وإنما رده حصل من الكل .

( وإن شرطا أن السابق يطعم السبق أصحابه ) أو بعضهم ( أو غيرهم ) أو إن [ ص: 128 ] سبقتني فلك كذا ولا أرمي أبدا أو أشهرا ( لم يصح الشرط ) لأنه عوض على عمل فلا يستحقه غير العامل كالعوض في رد الآبق ، واختار الشيخ تقي الدين صحة شرطه لأستاذه ، وشراء قوس ، وكراء حانوت ، وإطعام الجماعة ; لأنه مما يعين على الرمي ( وفي صحة المسابقة وجهان ) أشهرهما أنه لا يفسد ، ونصره في " الشرح " ; لأنها عقد لا يتوقف صحتها على تسمية بدل فلم يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح ، والثاني : يفسد ; لأنه بدل العوض لهذا الغرض ، فإذا لم يحصل له غرضه لا يلزمه العوض فعليه إن كان المخرج السابق أحرز سبقه ، وإن كان الآخر فله أجر عمله ; لأنه عمل بعوض لم يسلم له فاستحق أجر المثل كالإجارة الفاسدة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث