الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية الرابعة قوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا

[ ص: 184 ] الآية الرابعة

قوله تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } .

فيها خمس مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { وقضى } .

قد بينا تفسير هذه اللفظة في كتاب المشكلين بجميع وجوهها ، وأوضحنا أن من معانيها خلق ، ومنها أمر ، ولا يجوز أن يكون معناها هاهنا إلا أمر ; لأن الأمر يتصور وجود مخالفته ، ولا يتصور وجود خلاف ما خلق الله ; لأنه الخالق ; هل من خالق غير الله ، فأمر الله سبحانه بعبادته ، وببر الوالدين مقرونا بعبادته ، كما قرن شكرهما بشكره ، ولهذا قرأها ابن مسعود : ووصى ربك .

وفي الصحيح عن أبي بكرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ألا أخبركم بأكبر الكبائر ؟ قلنا : بلى يا رسول الله . قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين }

. وعن أنس في الصحيح أيضا : { الإشراك بالله ، وقتل النفس ، وعقوق الوالدين } .

ومن البر إليهما ، والإحسان إليهما ألا نتعرض لسبهما ، وهي :

المسألة الثانية : ففي الصحيح عن عبد الله بن عمرو أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه . قيل : يا رسول الله ، وكيف يلعن الرجل [ ص: 185 ] والديه ؟ قال : يسب أبا الرجل فيسب أباه ، ويسب أمه فيسب أمه } .

حتى إنه يبره وإن كان مشركا إذا كان له عهد قال الله : { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } وهي :

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما } : خص حالة الكبر ; لأنها بطول المدى توجب الاستثقال عادة ، ويحصل الملل ، ويكثر الضجر ، فيظهر غضبه على أبويه ، وتنتفخ لهما أوداجه ، ويستطيل عليهما بدالة البنوة ، وقلة الديانة .

وأقل المكروه أن يؤفف لهما ; وهو ما يظهره بتنفسه المردد من الضجر .

وأمر بأن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة ، وهو السالم عن كل عيب من عيوب القول المتجرد عن كل مكروه من مكروه الأحاديث .

ثم قال ، وهي :

المسألة الرابعة { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } : المعنى تذلل لهما تذليل الرعية للأمير ، والعبيد للسادة ; وضرب خفض الجناح ونصبه مثلا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده أو لغيرهم من شدة الإقبال .

والذل هو اللين والهون في الشيء ، ثم قال ، وهي :

المسألة الخامسة : { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } : معناه : ادع لهما في حياتهما وبعد مماتهما بأن يكون البارئ يرحمهما كما رحماك ، وترفق بهما كما رفقا بك ; فإن الله هو الذي يجزي الوالد عن الولد ; إذ لا يستطيع الولد كفاء على نعمة والده أبدا .

وفي الحديث الصحيح : { لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه } ، معناه يخلصه من أسر الرق كما خلصه من أسر الصغر . [ ص: 186 ] وينبغي له أن يعلم أنهما ولياه صغيرا جاهلا محتاجا ، فآثراه على أنفسهما ، وسهرا ليلهما وأناماه ، وجاعا وأشبعاه ، وتعريا وكسواه ، فلا يجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر إلى الحد الذي كان هو فيه من الصغر ، فيلي منهما ما وليا منه ، ويكون لهما حينئذ عليه فضل التقدم بالنعمة على المكافئ عليها .

وقد أخبرني الشريف الأجل الخطيب نسيب الدولة أبو القاسم علي بن القاضي ذو الشرفين أبو الحسين إبراهيم بن العباس الحسيني بدمشق ، أنبأنا أبو نصر أحمد بن الحسن بن الحسين بن الشيرازي بمكة في المسجد الحرام ، سمعته داخل الكعبة من هذا الرجل ، وكان حافظا ، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن ريدة الضبي الأصبهاني بأصبهان قراءة ، أنبأنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الحافظ الطبري ، حدثنا محمد بن خالد بن يزيد البردعي بمصر ، حدثني أبو سلمة عبيد بن خلصة بمعرة النعمان ، حدثنا عبد الله بن نافع المدني عن المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر بن عبد الله ; قال : { جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ; إن أبي أخذ مالي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل : فأتني بأبيك . فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله عز وجل يقرئك السلام ، ويقول لك : إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ، ما سمعته أذناه ، فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما بال ابنك يشكوك ؟ أتريد أن تأخذ ماله ؟ فقال : سله يا رسول الله ، هل أنفقه إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إيه دعنا من هذا ، أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك . فقال الشيخ : والله يا رسول الله ما يزال الله تعالى يزيدنا بك يقينا ، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي ، فقال : قل وأنا أسمع . قال : قلت :

غذوتك مولودا ومنتك يافعا تعل بما أجني عليك وتنهل     إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت
لسقمك إلا ساهرا أتململ     كأني أنا المطروق دونك بالذي
طرقت به دوني فعيني تهمل     تخاف الردى نفسي عليك وإنها
لتعلم أن الموت وقت مؤجل     فلما بلغت السن والغاية التي
إليها مدى ما كنت فيك أؤمل     جعلت جزائي غلظة وفظاظة
كأنك أنت المنعم المتفضل     فليتك إذ لم ترع حق أبوتي
فعلت كما الجار المجاور يفعل

[ ص: 187 ] قال : فحينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه ، وقال : أنت ومالك لأبيك
} . قال سليمان : لا يروى هذا الحديث عن محمد بن المنكدر بهذا التمام والشعر إلا بهذا الإسناد ، تفرد به عبيد بن خلصة .

وأخبرنا أبو المعالي ثابت بن بندار في دارنا بالمعتمدية ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن غالب الحافظ ، أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي ، أخبرنا أبو يعلى الموصلي ، حدثنا سويد بن سعيد بن عبد الغفار بن عبد الله ، وأخبرني عبد الله بن صالح ، حدثنا أبو هشام بن الوليد بن شجاع بن قيس بن هشام السكوني ، قالوا : حدثنا علي بن مسهر عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، { عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بينا ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر ، فأووا إلى غار فانطبق عليهم ، فقال بعضهم لبعض : يا هؤلاء ، لا ينجيكم إلا الصدق ، فليدع كل رجل منكم بما يعلم الله أنه قد صدق : فقال أحدهم : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير ، عمل لي على فرق أرز ، فذهب وتركه ، فزرعته ، فصار من أمره أني اشتريت من ذلك الفرق بقرا ، ثم أتاني يطلب أجره ، فقلت له : اعمد إلى تلك البقر ، فسقها فإنها من ذلك الفرق فساقها . فإن كنت فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ، فانساحت عنهم الصخرة . فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكانت لي غنم ، وكنت آتيهما في كل ليلة بلبن غنم لي ، فأبطأت عنهما ذات ليلة ، فأتيتهما وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع ، وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي ، فكرهت أن أوقظهما من رقدتهما ، وكرهت أن أرجع فيستيقظا لشربهما ، فلم أزل أنتظرهما حتى طلع [ ص: 188 ] الفجر ، فقاما فشربا ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ، فانساحت عنهم الصخرة ، حتى نظروا إلى السماء . فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي ، وإني راودتها عن نفسها فأبت علي إلا أن آتيها بمائة دينار ، فطلبتها حتى قدرت عليها ، فجئت بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها ، فلما قعدت بين رجليها قالت لي : اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه . فقمت عنها ، وتركت لها المائة دينار فإن كنت تعلم أني تركت ذلك من خشيتك فافرج عنا ، ففرج الله عنهم ، وخرجوا يمشون } .

ومن تمام بر الأبوين صلة أهل ودهما ، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه } . وروي عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { رضا الرب في رضا الوالدين ، وسخط الرب في سخط الوالدين } . خرجهما الترمذي .

ولذلك عدل عقوقهما الإشراك في الإثم ، وهذا يدل على أن برهما قرين الإيمان في الأجر . والله أعلم .

وقد أخبرنا الشريف الأجل أبو القاسم علي بن أبي الحسن الشاشي بها قال : حدثنا أبو محمد الجوهري في كتابه ، أنبأنا أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى الوزير ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب ، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل ، عن أسيد عن أبيه علي بن عبيد ، عن أبي أسيد ، وكان بدريا [ ص: 189 ] قال : { كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم جالسا فجاء رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله ; هل بقي من بر والدي من بعد موتهما شيء أبرهما به ؟ قال : نعم ، الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما بعدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما ، فهذا الذي بقي عليك } .

وقد { كان النبي صلى الله عليه وسلم يهدي لصدائق خديجة برا بها ووفاء لها } ، وهي زوجة ، فما ظنك بالأبوين .

وقد أخبرني شيخنا الفهري في المذاكرة أن البرامكة لما احتبسوا أجنب الأب ، فاحتاج إلى غسل ، فقام ابنه بالإناء على السراج ليلة حتى دفيء واغتسل به ، ونسأل الله التوفيق لنا ولكم برحمته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث