الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم "

القول في تأويل قوله ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة )

اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية .

فقال بعضهم : عنى بها عبد الله بن أبي ابن سلول .

ذكر من قال ذلك :

12166 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، سمعت أبي ، عن عطية بن سعد : " فترى الذين في قلوبهم مرض " ، عبد الله بن أبي "يسارعون [ ص: 403 ] فيهم " ، في ولايتهم " يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة " ، إلى آخر الآية : " فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين " .

12167 - حدثنا هناد قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا ابن إسحاق قال ، حدثني والدي إسحاق بن يسار ، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت : " فترى الذين في قلوبهم مرض " ، يعني عبد الله بن أبي " يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة " ، لقوله : إني أخشى دائرة تصيبني!

وقال آخرون : بل عني بذلك قوم من المنافقين كانوا يناصحون اليهود ويغشون المؤمنين ، ويقولون : "نخشى أن تكون الدائرة لليهود على المؤمنين"!

ذكر من قال ذلك :

12168 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم " ، قال : المنافقون ، في مصانعة يهود ، ومناجاتهم ، واسترضاعهم أولادهم إياهم ، وقول الله تعالى ذكره : " نخشى أن تصيبنا دائرة " ، قال يقول : نخشى أن تكون الدائرة لليهود .

12169 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

12170 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " فترى الذين في قلوبهم مرض " إلى قوله : "نادمين " ، أناس من المنافقين كانوا يوادون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين .

12171 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، [ ص: 404 ] حدثنا أسباط ، عن السدي : " فترى الذين في قلوبهم مرض " ، قال : شك " يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة " ، و"الدائرة " ، ظهور المشركين عليهم .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن ذلك من الله خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهود والنصارى ويغشون المؤمنين ، ويقولون : نخشى أن تدور دوائر إما لليهود والنصارى ، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان ، أو غيرهم على أهل الإسلام ، أو تنزل بهؤلاء المنافقين نازلة ، فيكون بنا إليهم حاجة .

وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبي ، ويجوز أن يكون كان من قول غيره ، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين .

فتأويل الكلام إذا : فترى يا محمد ، الذين في قلوبهم شك ، ومرض إيمان بنبوتك وتصديق ما جئتهم به من عند ربك "يسارعون فيهم " ، يعني في اليهود والنصارى ويعني بمسارعتهم فيهم : مسارعتهم في موالاتهم ومصانعتهم " يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة " ، يقول هؤلاء المنافقون : إنما نسارع في موالاة هؤلاء اليهود والنصارى ، خوفا من دائرة تدور علينا من عدونا .

ويعني ب"الدائرة " ، الدولة ، كما قال الراجز :


ترد عنك القدر المقدورا ودائرات الدهر أن تدورا



[ ص: 405 ] يعني : أن تدول للدهر دولة ، فنحتاج إلى نصرتهم إيانا ، فنحن نواليهم لذلك . فقال الله تعالى ذكره لهم : " فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث