الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " يحكم به ذوا عدل منكم "

[ ص: 22 ] القول في تأويل قوله ( يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة )

قال أبو جعفر : يقول - تعالى ذكره - : يحكم بذلك الجزاء الذي هو مثل المقتول من الصيد من النعم عدلان منكم يعني : فقيهان عالمان من أهل الدين والفضل " هديا " يقول : يقضي بالجزاء ذوا عدل ، أي يهدى فيبلغ الكعبة . و " الهاء " في قوله : " ويحكم به " عائدة على " الجزاء " . .

قال أبو جعفر : ووجه حكم العدلين إذا أرادا أن يحكما بمثل المقتول من الصيد من النعم على القاتل : أن ينظرا إلى المقتول ويستوصفاه ، فإن ذكر أنه أصاب ظبيا صغيرا ، حكما عليه من ولد الضأن بنظير ذلك الذي قتله في السن والجسم ، فإن كان الذي أصاب من ذلك كبيرا ، حكما عليه من الضأن بكبير . وإن كان الذي أصاب حمار وحش ، حكما عليه ببقرة . إن كان الذي أصاب كبيرا من البقر ، وإن كان صغيرا فصغيرا . وإن كان المقتول ذكرا فمثله من ذكور البقر . وإن كان أنثى فمثله من البقر أنثى . ثم كذلك ذلك ، ينظران إلى أشبه الأشياء بالمقتول من الصيد شبها من النعم ، فيحكمان عليه به ، كما قال - تعالى ذكره - .

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، على اختلاف في ذلك بينهم .

ذكر من قال ذلك بنحو الذي قلنا فيه : [ ص: 23 ]

12585 - حدثنا هناد بن السري قال : حدثنا ابن أبي زائدة قال : أخبرنا داود بن أبي هند ، عن بكر بن عبد الله المزني قال : كان رجلان من الأعراب محرمين ، فأحاش أحدهما ظبيا ، فقتله الآخر . فأتيا عمر ، وعنده عبد الرحمن بن عوف ، فقال له عمر : وما ترى؟ قال : شاة ، قال : وأنا أرى ذلك ، اذهبا فأهديا شاة . فلما مضيا قال أحدهما لصاحبه : ما درى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه!! فسمعها عمر ، فردهما فقال : هل تقرآن سورة المائدة؟ فقالا لا! فقرأها عليهما : " يحكم به ذوا عدل منكم " ثم قال : استعنت بصاحبي هذا .

12586 - حدثنا أبو كريب ويعقوب قالا حدثنا هشيم قال : أخبرنا عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر قال : ابتدرت أنا وصاحب لي ظبيا في العقبة ، فأصبته ، فأتيت عمر بن الخطاب ، فذكرت ذلك له . فأقبل على رجل إلى جنبه ، فنظرا في ذلك . قال فقال : اذبح كبشا قال يعقوب في حديثه ، فقال لي : اذبح شاة فانصرفت فأتيت صاحبي فقلت : إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول! فقال صاحبي : انحر ناقتك . فسمعها عمر بن الخطاب ، فأقبل علي ضربا بالدرة وقال : تقتل الصيد وأنت محرم ، وتغمص الفتيا! إن الله تعالى يقول في كتابه : " يحكم به ذوا عدل منكم " هذا ابن عوف ، وأنا عمر !

12587 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا حصين ، عن [ ص: 24 ] الشعبي قال : أخبرني قبيصة بن جابر ، بنحو ما حدث به عبد الملك .

12588 - حدثنا هناد وأبو هشام قالا حدثنا وكيع ، عن المسعودي ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر قال : خرجنا حجاجا فكنا إذا صلينا الغداة ، اقتدنا رواحلنا نتماشى نتحدث ، قال : فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي أو برح ، فرماه رجل منا بحجر ، فما أخطأ خشاءه ، فركب ردعه ميتا . قال : فعظمنا عليه . فلما قدمنا مكة ، خرجت معه حتى أتينا عمر ، فقص عليه القصة . قال : وإذا إلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة يعني عبد الرحمن بن عوف فالتفت إلى صاحبه فكلمه . قال : ثم أقبل علي الرجل قال : أعمدا قتلته أم خطأ؟ قال الرجل : لقد تعمدت رميه ، وما أردت قتله . فقال عمر : ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ ، اعمد إلى شاة فاذبحها ، وتصدق بلحمها ، واسق إهابها . قال : فقمنا من عنده ، فقلت : أيها الرجل ، [ ص: 25 ] عظم شعائر الله! فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه! اعمد إلى ناقتك فانحرها ، ففعل ذاك! قالقبيصة : ولا أذكر الآية من " سورة المائدة " : " يحكم به ذوا عدل منكم " قال : فبلغ عمر مقالتي ، فلم يفجأنا إلا ومعه الدرة! قال : فعلا صاحبي ضربا بالدرة ، وجعل يقول : أقتلت في الحرم وسفهت الحكم! قال : ثم أقبل علي فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا أحل لك اليوم شيئا يحرم عليك مني! قال : يا قبيصة بن جابر ، إني أراك شاب السن ، فسيح الصدر بين اللسان ، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيئ ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الحسنة ، فإياك وعثرات الشباب! [ ص: 26 ]

12589 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا ابن عيينة ، عن مخارق ، عن طارق قال : أوطأ أربد ضبا فقتله - وهو محرم . فأتى عمر ليحكم عليه ، فقال له عمر : احكم معي! فحكما فيه جديا قد جمع الماء والشجر . ثم قال عمر : " يحكم به ذوا عدل منكم " .

12590 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا جامع بن حماد قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلا أصاب صيدا ، فأتى ابن عمر فسأله عن ذلك ، وعنده عبد الله بن صفوان ، فقال ابن عمر لابن صفوان : إما أن أقول فتصدقني ، وإما أن تقول فأصدقك . فقال ابن صفوان : بل أنت فقل . فقال ابن عمر ، ووافقه على ذلك عبد الله بن صفوان .

12591 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا هشام ، عن ابن سيرين ، عن شريح ، أنه قال : لو وجدت حكما عدلا لحكمت في الثعلب جديا ، وجدي أحب إلي من الثعلب . [ ص: 27 ]

12592 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا محمد بن بكير قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أبي مجلز : أن رجلا سأل ابن عمر عن رجل أصاب صيدا وهو محرم ، وعنده ابن صفوان ، فقال له ابن عمر : إما أن تقول فأصدقك ، أو أقول فتصدقني . قال : قل وأصدقك .

12593 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي وائل قال : أخبرني ابن جرير البجلي قال : أصبت ظبيا وأنا محرم ، فذكرت ذلك لعمر ، فقال : ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك . فأتيت عبد الرحمن وسعدا ، فحكما علي تيسا أعفر قال أبو جعفر : " الأعفر " : الأبيض .

12594 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن منصور بإسناده عن عمر مثله .

12595 - حدثنا عبد الحميد قال : أخبرنا إسحاق ، عن شريك ، عن [ ص: 28 ] أشعث بن سوار ، عن ابن سيرين قال : كان رجل على ناقة وهو محرم ، فأبصر ظبيا يأوي إلى أكمة ، فقال : لأنظرن أنا أسبق إلى هذه الأكمة أم هذا الظبي؟ فوقعت عنز من الظباء تحت قوائم ناقته فقتلتها ، فأتى عمر فذكر ذلك له ، فحكم عليه هو وابن عوف عنزا عفراء قال : وهي البيضاء .

12596 - حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية قال : أخبرنا أيوب ، عن محمد : أن رجلا أوطأ ظبيا وهو محرم ، فأتى عمر فذكر ذلك له ، وإلى جنبه عبد الرحمن بن عوف ، فأقبل على عبد الرحمن فكلمه ، ثم أقبل على الرجل فقال : أهد عنزا عفراء .

12597 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم : أنه كان يقول : ما أصاب المحرم من شيء لم تمض فيه حكومة ، استقبل به ، فيحكم فيه ذوا عدل .

12598 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثني وهب بن جرير قال : حدثنا شعبة ، عن يعلى ، عن عمرو بن حبشي قال : سمعت رجلا سأل عبد الله بن عمر ، عن رجل أصاب ولد أرنب ، فقال : فيه ولد ماعز ، فيما أرى أنا . ثم قال لي : أكذاك؟ فقلت : أنت أعلم مني . فقال : قال الله - تعالى ذكره - : " يحكم به ذوا عدل منكم " .

12599 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا ابن أبي عدي وسهل بن يوسف ، [ ص: 29 ] عن حميد ، عن بكر : أن رجلين أبصرا ظبيا وهما محرمان ، فتراهنا ، وخطر كل واحد منهما لمن سبق إليه . فسبق إليه أحدهما ، فرماه بعصاه فقتله . فلما قدما مكة ، أتيا عمر يختصمان إليه ، وعنده عبد الرحمن بن عوف ، فذكرا ذلك له ، فقال عمر : هذا قمار ، ولا أجيزه! ثم نظر إلى عبد الرحمن ، فقال : ما ترى! قال : شاة . فقال عمر : وأنا أرى ذلك . فلما قفى الرجلان من عند عمر ، قال أحدهما لصاحبه : ما درى عمر ما يقول حتى سأل الرجل! فردهما عمر فقال : إن الله - تعالى ذكره - لم يرض بعمر وحده ، فقال : " يحكم به ذوا عدل منكم " وأنا عمر ، وهذا عبد الرحمن بن عوف .

وقال آخرون : بل ينظر العدلان إلى الصيد المقتول ، فيقومانه قيمته دراهم ، ثم يأمران القاتل أن يشتري بذلك من النعم هديا . فالحاكمان يحكمان في قول هؤلاء ، بالقيمة . وإنما يحتاج إليهما لتقويم الصيد قيمته في الموضع الذي أصابه فيه .

وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي فيما مضى قبل أنه كان يقول : " ما أصاب المحرم من شيء ، حكم فيه قيمته " وهو قول جماعة من متفقهة الكوفيين .

وأما قوله : " هديا " فإنه مصدر على الحال من " الهاء " التي في قوله : " يحكم به " .

وقوله : " بالغ الكعبة " من نعت " الهدي " وصفته . وإنما جاز أن ينعت به ، وهو مضاف إلى معرفة ، لأنه في معنى النكرة . وذلك أن معنى قوله : " بالغ [ ص: 30 ] الكعبة " يبلغ الكعبة . فهو وإن كان مضافا فمعناه التنوين ، لأنه بمعنى الاستقبال ، وهو نظير قوله : ( هذا عارض ممطرنا ) [ سورة الأحقاف : 24 ] ، فوصف بقوله : " ممطرنا " " عارضا " لأن في " ممطرنا " معنى التنوين ، لأن تأويله الاستقبال ، فمعناه : هذا عارض يمطرنا . فكذلك ذلك في قوله : " هديا بالغ الكعبة " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث