الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " أو عدل ذلك صياما "

القول في تأويل قوله تعالى ( أو عدل ذلك صياما )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بذلك : أو على قاتل الصيد محرما ، عدل الصيد المقتول من الصيام . وذلك أن يقوم الصيد حيا غير مقتول قيمته من الطعام بالموضع الذي قتله فيه المحرم ، ثم يصوم مكان كل مد يوما . وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدل المد من الطعام بصوم يوم في كفارة المواقع في شهر رمضان .

فإن قال قائل : فهلا جعلت مكان كل صاع في جزاء الصيد ، صوم يوم ، قياسا على حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في نظيره ، وذلك حكمه على كعب بن عجرة إذ أمره أن يطعم إن كفر بالإطعام فرقا من طعام ، وذلك ثلاثة آصع بين ستة مساكين إن كفر بالصيام أن يصوم ثلاثة أيام ، فجعل الأيام [ ص: 43 ] الثلاثة في الصوم عدلا من إطعام ثلاثة آصع ، فإن ذلك بالكفارة في جزاء الصيد ، أشبه من الكفارة في قتل الصيد بكفارة المواقع امرأته في شهر رمضان؟ . قيل : إن " القياس " إنما هو رد الفروع المختلف فيها ، إلى نظائرها من الأصول المجمع عليها . ولا خلاف بين الجميع من الحجة أنه لا يجزئ مكفرا كفر في قتل الصيد بالصوم ، أن يعدل صوم يوم بصاع طعام . فإذ كان ذلك كذلك ، وكان غير جائز خلافها فيما حدثت به من الدين مجمعة عليه ، صح بذلك أن حكم معادلة الصوم الطعام في قتل الصيد ، مخالف حكم معادلته إياه في كفارة الحلق ، إذ كان غير جائز رد أصل على أصل قياسا . وإنما يجوز أن يقاس الفرع على الأصل . وسواء قال قائل : " هلا رددت حكم الصوم في كفارة قتل الصيد ، على حكمه في حلق الأذى فيما يعدل به من الطعام " ؟ وآخر قال : " هلا رددت حكم الصوم في الحلق ، على حكمه في كفارة قتل الصيد فيما يعدل به من الطعام ، فتوجب عليه مكان كل مد أو مكان كل نصف صاع صوم يوم " ؟

وقد بينا فيما مضى قبل أن " العدل " في كلام العرب بالفتح ، هو قدر الشيء من غير جنسه وأن " العدل " هو قدره من جنسه .

وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : " العدل " مصدر من قول القائل : " عدلت بهذا عدلا حسنا " . قال : " والعدل " أيضا بالفتح ، [ ص: 44 ] المثل . ولكنهم فرقوا بين " العدل " في هذا وبين " عدل المتاع " بأن كسروا " العين " من " عدل المتاع " وفتحوها من قول الله تعالى : ولا يقبل منها عدل [ سورة البقرة : 123 ] ، وقول الله عز وجل : " أو عدل ذلك صياما " كما قالوا : " امرأة رزان " وحجر رزين " .

وقال بعضهم : " العدل " هو القسط في الحق ، و " العدل " بالكسر ، المثل . وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى . .

وأما نصب " الصيام " فإنه على التفسير ، كما يقال : " عندي ملء زق سمنا " و " قدر رطل عسلا " .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . [ ص: 45 ]

12630 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا أبو عاصم قال : أخبرنا ابن جريج قال : قلت لعطاء : ما " عدل ذلك صياما " ؟ قال : عدل الطعام من الصيام . قال : لكل مد يوما ، يأخذ زعم بصيام رمضان وبالظهار . وزعم أن ذلك رأي يراه ، ولم يسمعه من أحد ، ولم تمض به سنة . قال : ثم عاودته بعد ذلك بحين ، قلت : ما " عدل ذلك صياما " ؟ قال : إن أصاب ما عدله شاة ، قومت طعاما ، ثم صام مكان كل مد يوما . قال : ولم أسأله : هذا رأي أو سنة مسنونة ؟

12631 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير في قوله عز وجل : " أو عدل ذلك صياما " قال : بصوم ثلاثة أيام إلى عشرة أيام .

12632 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن حماد : ( أو عدل ذلك صياما ) ، من الجزاء ، إذا لم يجد ما يشتري به هديا ، أو ما يتصدق به مما لا يبلغ ثمن هدي ، حكم عليه الصيام مكان كل نصف صاع يوما .

12633 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " أو عدل ذلك صياما " قال : إذ قتل المحرم شيئا من الصيد ، حكم عليه فيه . فإن قتل ظبيا أو نحوه ، فعليه شاة تذبح بمكة . فإن لم يجدها ، فإطعام ستة مساكين . فإن لم يجد [ ص: 46 ] فصيام ثلاثة أيام . وإن قتل أيلا أو نحوه ، فعليه بقرة . فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينا ، فإن لم يجد ، صام عشرين يوما . وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه ، فعليه بدنة من الإبل . فإن لم يجد ، أطعم ثلاثين مسكينا . فإن لم يجد ، صام ثلاثين يوما . والطعام : مد مد ، شبعهم .

12634 - حدثنا ابن البرقي قال : حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، عن سعيد ، وسألته المحرم يصيب الصيد فيكون عليه الفدية ، شاة ، أو البقرة أو البدنة . فلا يجد ، فما عدل ذلك من الصيام أو الصدقة؟ قال : ثمن ذلك ، فإن لم يجد ثمنه ، قوم ثمنه طعاما يتصدق به لكل مسكين مد ، ثم يصوم بكل مد يوما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث