الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " وحرم عليكم صيد البر "

[ ص: 74 ] القول في تأويل قوله ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - : وحرم الله عليكم ، أيها المؤمنون ، صيد البر " ما دمتم حرما " يقول : ما كنتم محرمين ، لم تحلوا من إحرامكم .

ثم اختلف أهل العلم في المعنى الذي عنى الله - تعالى ذكره - بقوله : " وحرم عليكم صيد البر " .

فقال بعضهم : عنى بذلك : أنه حرم علينا كل معاني صيد البر : من اصطياد ، وأكل ، وقتل ، وبيع ، وشراء ، وإمساك ، وتملك .

ذكر من قال ذلك :

12740 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن أبيه قال : حج عثمان بن عفان ، فحج علي معه ، قال : فأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال ، فأكل منه ، ولم يأكل علي ، فقال عثمان : والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا! فقال علي : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " . [ ص: 75 ]

12741 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا هارون بن المغيرة ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن سماك ، عن صبيح بن عبد الله العبسي قال : بعث عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحارث على العروض ، فنزل قديدا ، فمر به رجل من أهل الشام معه باز وصقر ، فاستعاره منه ، فاصطاد به من اليعاقيب ، فجعلهن في حظيرة . فلما مر به عثمان طبخهن ، ثم قدمهن إليه ، فقال عثمان : كلوا! فقال بعضهم : حتى يجيء علي بن أبي طالب ، رحمة الله عليه . فلما جاء فرأى ما بين أيديهم ، قال علي : إنا لن نأكل منه! فقال عثمان : ما لك لا تأكل؟ فقال : هو صيد ، ولا يحل أكله وأنا محرم! فقال عثمان : بين لنا! فقال علي : " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " فقال عثمان : أونحن قتلناه؟ فقرأ عليه : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " .

12742 - حدثنا تميم بن المنتصر وعبد الحميد بن بيان القناد قالا أخبرنا [ ص: 76 ] إسحاق الأزرق ، عن شريك ، عن سماك بن حرب ، عن صبيح بن عبيد الله العبسي قال : استعمل عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحرث على العروض ثم ذكر نحوه ، وزاد فيه ، قال : فمكث عثمان ما شاء الله أن يمكث ، ثم أتى فقيل له بمكة : هل لك في ابن أبي طالب ، أهدي له صفيف حمار فهو يأكل منه! فأرسل إليه عثمان ، وسأله عن أكل الصفيف ، فقال : أما أنت فتأكل ، وأما نحن فتنهانا؟ فقال : إنه صيد عام أول وأنا حلال ، فليس علي بأكله بأس ، وصيد ذلك - يعني اليعاقيب - وأنا محرم ، وذبحن وأنا حرام .

12743 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال : حدثنا يونس ، عن الحسن : أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى بأسا بلحم الصيد للمحرم ، وكرهه علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه .

12744 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال : حدثنا بشر بن المفضل قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب : أن عليا كره لحم الصيد للمحرم على كل حال .

12745 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث : أنه شهد عثمان وعليا أتيا بلحم ، فأكل عثمان ولم يأكل علي ، فقال عثمان : أنحن صدنا أو [ ص: 77 ] صيد لنا؟ فقرأ علي هذه الآية : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما .

12746 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه قال : حج عثمان بن عفان ، فحج معه علي ، فأتي بلحم صيد صاده حلال ، فأكل منه وهو محرم ، ولم يأكل منه علي ، فقال عثمان : إنه صيد قبل أن نحرم! فقال له علي : ونحن قد نزلنا وأهالينا لنا حلال ، أفيحللن لنا اليوم؟

12747 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا هارون ، عن عمرو ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل : أن عليا أتي بشق عجز حمار وهو محرم ، فقال : إني محرم .

12748 - حدثنا ابن بزيع قال : حدثنا بشر بن المفضل قال : حدثنا سعيد ، عن يعلى بن حكيم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أنه كان يكرهه على كل حال ، ما كان محرما . [ ص: 78 ]

12749 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا ابن جريج قال : أخبرنا نافع : أن ابن عمر كان يكره كل شيء من الصيد وهو حرام ، أخذ له أو لم يؤخذ له وشيقة وغيرها .

12750 - حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن عبد الله قال : أخبرني نافع : أن ابن عمر كان لا يأكل الصيد وهو محرم ، وإن صاده الحلال .

12751 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا أبو عاصم قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني الحسن بن مسلم بن يناق : أن طاوسا كان ينهى الحرام عن أكل الصيد ، وشيقة وغيرها ، صيد له أو لم يصد له .

12752 - حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا خالد بن الحارث قال : حدثنا الأشعث قال : قال الحسن : إذا صاد الصيد ثم أحرم لم يأكل من لحمه حتى يحل . فإن أكل منه وهو محرم ، لم ير الحسن عليه شيئا .

12753 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام وهارون عن عنبسة ، عن سالم قال : سألت سعيد بن جبير ، عن الصيد يصيده الحلال ، أيأكل منه المحرم؟ فقال : سأذكر لك من ذلك ، إن الله - تعالى ذكره - قال : " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " فنهى عن قتله ، ثم قال : " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم " ثم قال - تعالى ذكره - : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة " قال : يأتي الرجل أهل البحر فيقول : " أطعموني " فإن [ ص: 79 ] قال : " غريضا " ألقوا شبكتهم فصادوا له ، وإن قال : " أطعموني من طعامكم " أطعموه من سمكهم المالح . ثم قال : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " وهو عليك حرام ، صدته أو صاده حلال .

وقال آخرون : إنما عنى الله - تعالى ذكره - بقوله : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " ما استحدث المحرم صيده في حال إحرامه أو ذبحه ، أو استحدث له ذلك في تلك الحال . فأما ما ذبحه حلال وللحلال ، فلا بأس بأكله للمحرم . وكذلك ما كان في ملكه قبل حال إحرامه ، فغير محرم عليه إمساكه .

ذكر من قال ذلك :

12754 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال : حدثنا بشر بن المفضل قال : حدثنا سعيد قال : حدثنا قتادة : أن سعيد بن المسيب حدثه ، عن أبي هريرة : أنه سئل عن صيد صاده حلال ، أيأكله المحرم؟ قال : فأفتاه هو بأكله ، ثم لقي عمر بن الخطاب رحمه الله فأخبره بما كان من أمره ، فقال : لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك .

12755 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي قال : حدثنا أبو عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه قال : نزل عثمان بن عفان رحمه الله العرج وهو محرم ، فأهدى صاحب العرج له قطا ، قال : فقال لأصحابه : كلوا فإنه إنما اصطيد [ ص: 80 ] على اسمي ، قال : فأكلوا ولم يأكل .

12756 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب : أن أبا هريرة كان بالربذة ، فسألوه عن لحم صيد صاده حلال ، ثم ذكر نحو حديث ابن بزيع عن بشر .

12757 - حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن عمر ، نحوه .

12758 - حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الشعثاء قال : سألت ابن عمر عن لحم صيد يهديه الحلال إلى الحرام ، فقال : أكله عمر ، وكان لا يرى به بأسا . قال قلت : تأكله؟ قال : عمر خير مني . [ ص: 81 ]

12759 - حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة قال : حدثنا أبو إسحاق ، عن أبي الشعثاء قال : سألت ابن عمر عن صيد صاده حلال يأكل منه حرام ، قال : كان عمر يأكله . قال قلت : فأنت؟ قال : كان عمر خيرا مني .

12760 - حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : استفتاني رجل من أهل الشام في لحم صيد أصابه وهو محرم ، فأمرته أن يأكله . فأتيت عمر بن الخطاب فقلت له : إن رجلا من أهل الشام استفتاني في لحم صيد أصابه وهو محرم ، قال : فما أفتيته؟ قال : قلت : أفتيته أن يأكله . قال : فوالذي نفسي بيده ، لو أفتيته بغير ذلك لعلوتك بالدرة! وقال عمر : إنما نهيت أن تصطاده .

12761 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا مصعب بن المقدام قال : حدثنا خارجة عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن كعب قال : أقبلت في أناس محرمين ، فأصبنا لحم حمار وحش ، فسألني الناس عن أكله ، فأفتيتهم بأكله ، وهم محرمون . فقدمنا على عمر ، فأخبروه أني أفتيتهم بأكل حمار الوحش وهم محرمون ، [ ص: 82 ] فقال عمر : قد أمرته عليكم حتى ترجعوا .

12762 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : مررت بالربذة ، فسألني أهلها عن المحرم يأكل ما صاده الحلال؟ فأفتيتهم أن يأكلوه . فلقيت عمر بن الخطاب ، فذكرت ذلك له . قال : بم أفتيتهم؟ قال : أفتيتهم أن يأكلوا . قال : لو أفتيتهم بغير ذلك لخالفتك .

12763 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا يحيى بن واضح ، عن يونس ، عن أبي الشعثاء الكندي قال : قلت لابن عمر : كيف ترى في قوم حرام لقوا قوما حلالا ومعهم لحم صيد ، فإما باعوهم ، وإما أطعموهم؟ فقال : حلال . [ ص: 83 ]

12764 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال : حدثنا محمد بن سعيد قال : حدثنا هشام يعني ابن عروة قال : حدثنا عروة ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب : أن عبد الرحمن حدثه : أنه اعتمر مع عثمان بن عفان في ركب فيهم عمرو بن العاص ، حتى نزلوا بالروحاء ، فقرب إليهم طير وهم محرمون ، فقال لهم عثمان : كلوا ، فإني غير آكله! فقال عمرو بن العاص : أتأمرنا بما لست آكلا؟ فقال عثمان : إني لولا أظن أنه اصطيد من أجلي ، لأكلت! فأكل القوم .

12765 - حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه : أن الزبير كان يتزود لحوم الوحش وهو محرم .

12766 - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال : أخبرنا إسحاق ، عن شريك ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال ، وما صيد أو ذبح وأنت حرام فهو عليك حرام .

12767 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا هارون ، عن عمرو ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ما صيد من شيء وأنت حرام فهو عليك حرام ، وما صيد من شيء وأنت حلال فهو لك حلال . [ ص: 84 ]

12768 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " فجعل الصيد حراما على المحرم صيده وأكله ما دام حراما . وإن كان الصيد صيد قبل أن يحرم الرجل ، فهو حلال . وإن صاده حرام لحلال ، فلا يحل له أكله .

12769 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم قال : سألت أبا بشر عن المحرم يأكل مما صاده الحلال؟ قال : كان سعيد بن جبير ومجاهد يقولان : ما صيد قبل أن يحرم أكل منه ، وما صيد بعد ما أحرم لم يأكل منه .

12770 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا ابن جريج قال : كان عطاء يقول إذا سئل في العلانية : أيأكل الحرام الوشيقة والشيء اليابس؟ يقول بيني وبينه : لا أستطيع أن أبين لك في مجلس ، إن ذبح قبل أن نحرم فكل ، وإلا فلا تبع لحمه ولا تبتع .

وقال آخرون : إنما عنى الله تعالى بقوله : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " وحرم عليكم اصطياده . قالوا : فأما شراؤه من مالك يملكه وذبحه وأكله ، بعد أن يكون ملكه إياه على غير وجه الاصطياد له ، وبيعه وشراؤه جائز . قالوا : والنهي من الله - تعالى ذكره - ، عن صيده في حال الإحرام دون سائر المعاني .

ذكر من قال ذلك :

12771 - حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه قال : حدثنا ابن أبي مريم [ ص: 85 ] قال : حدثنا يحيى بن أيوب قال : أخبرني يحيى ، أن أبا سلمة اشترى قطا وهو بالعرج وهو محرم ، ومعه محمد بن المنكدر ، فأكلها .

فعاب عليه ذلك الناس .

قال أبو جعفر : والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال : إن الله - تعالى ذكره - ، عم تحريم كل معاني صيد البر على المحرم في حال إحرامه ، من غير أن يخص من ذلك شيئا دون شيء ، فكل معاني الصيد حرام على المحرم ما دام حراما ، بيعه وشراؤه واصطياده وقتله ، وغير ذلك من معانيه ، إلا أن يجده مذبوحا قد ذبحه حلال لحلال ، فيحل له حينئذ أكله ، للثابت عن الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي : -

12772 - حدثناه يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج وحدثني عبد الله بن أبي زياد قال : حدثنا مكي بن إبراهيم قال : حدثنا عبد الملك بن جريج قال : أخبرني محمد بن المنكدر ، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان ، عن أبيه عبد الرحمن بن عثمان قال : كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم ، فأهدي لنا طائر ، فمنا من أكل ، ومنا من تورع فلم يأكل . فلما استيقظ طلحة وفق من أكل ، وقال : أكلناه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . [ ص: 86 ]

فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما روي عن الصعب بن جثامة أنه أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل حمار وحش يقطر دما ، فرده فقال : إنا حرم وفيما روي عن عائشة : أن وشيقة ظبي أهديت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم ، فردها وما أشبه ذلك من الأخبار؟

قيل : إنه ليس في واحد من هذه الأخبار التي جاءت بهذا المعنى ، بيان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد من ذلك ما رد وقد ذبحه الذابح إذ ذبحه ، وهو حلال لحلال ، ثم أهداه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو حرام ، فرده وقال : " إنه لا يحل لنا لأنا حرم " ، وإنما ذكر فيه أنه أهدي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحم صيد فرده . وقد يجوز أن يكون رده ذلك من أجل أن ذابحه ذبحه أو صائده صاده من أجله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم .

وقد بين خبر جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : " لحم صيد البر للمحرم حلال إلا ما صاد أو صيد له " ، معنى ذلك كله .

فإذ كان كلا الخبرين صحيحا مخرجهما ، فواجب التصديق بهما ، وتوجيه كل واحد منهما إلى الصحيح من وجه ، وأن يقال : " رده ما رد من ذلك من أجل [ ص: 87 ] أنه كان صيد من أجله وإذنه في كل ما أذن في أكله منه ، من أجل أنه لم يكن صيد لمحرم ولا صاده محرم ، فيصح معنى الخبرين كليهما .

واختلفوا في صفة الصيد الذي عنى الله تعالى بالتحريم في قوله : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " .

فقال بعضهم : " صيد البر " كل ما كان يعيش في البر والبحر ، وإنما " صيد البحر " ما كان يعيش في الماء دون البر ويأوي إليه

ذكر من قال ذلك :

12773 - حدثنا هناد بن السري قال : حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن عمران بن حدير ، عن أبي مجلز : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " قال : ما كان يعيش في البر والبحر فلا تصده ، وما كان حياته في الماء فذاك .

12774 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا الحجاج ، عن عطاء قال : ما كان يعيش في البر فأصابه المحرم فعليه جزاؤه ، نحو السلحفاة والسرطان والضفادع .

12775 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا هارون بن المغيرة ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن الحجاج ، عن عطاء قال : كل شيء عاش في البر والبحر فأصابه المحرم ، فعليه الكفارة .

12776 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال : حدثنا يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير قال : خرجنا [ ص: 88 ] حجاجا معنا رجل من أهل السواد معه شصوص طير ماء ، فقال له أبي حين أحرمنا : اعزل هذا عنا .

12777 - وحدثنا به أبو كريب مرة أخرى قال : حدثنا ابن إدريس قال : سمعت يزيد بن أبي زياد قال : حدثنا حجاج ، عن عطاء : أنه كره للمحرم أن يذبح الدجاج الزنجي ، لأن له أصلا في البر .

وقال بعضهم : صيد البر ما كان كونه في البر أكثر من كونه في البحر .

ذكر من قال ذلك :

12778 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا أبو عاصم قال : ابن جريج أخبرناه ، قال : سألت عطاء عن ابن الماء ، أصيد بر أم بحر؟ وعن أشباهه؟ فقال : حيث يكون أكثر ، فهو صيده .

12779 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني وكيع ، عن سفيان ، عن رجل ، عن عطاء بن أبي رباح قال : أكثر ما يكون حيث يفرخ ، فهو منه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث