الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " إن أنتم ضربتم في الأرض "

القول في تأويل قوله ( إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت )

قال أبو جعفر : يقول - تعالى ذكره - للمؤمنين : صفة شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت وقت الوصية ، أن يشهد اثنان ذوا عدل منكم ، أيها المؤمنون ، أو رجلان آخران من غير أهل ملتكم ، إن أنتم سافرتم ذاهبين وراجعين في الأرض . [ ص: 170 ]

وقد بينا فيما مضى السبب الذي من أجله قيل للمسافر : " الضارب في الأرض " .

" فأصابتكم مصيبة الموت " يقول : فنزل بكم الموت .

ووجه أكثر أهل التأويل هذا الموضع إلى معنى التعقيب دون التخيير ، وقالوا : معناه : شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ، اثنان ذوا عدل منكم إن وجدا ، فإن لم يوجدا فآخران من غيركم وإنما فعل ذلك من فعله ، لأنه وجه معنى " الشهادة " في قوله : " شهادة بينكم " إلى معنى الشهادة التي توجب للقوم قيام صاحبها عند الحاكم ، أو يبطلها . ذكر بعض من تأول ذلك كذلك :

12941 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال : حدثنا إسحاق بن سويد ، عن يحيى بن يعمر في قوله : " ذوا عدل منكم " من المسلمين . فإن لم تجدوا من المسلمين ، فمن غير المسلمين .

12942 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب في قوله : " اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " قال : اثنان من أهل دينكم " أو آخران من غيركم " من أهل الكتاب ، إذا كان ببلاد لا يجد غيرهم .

12943 - حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا داود ، عن عامر ، عن شريح في هذه الآية : " شهادة بينكم " إلى قوله : " أو آخران من غيركم " قال : إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلما يشهده على وصيته ، فأشهد يهوديا أو نصرانيا ، أو مجوسيا ، فشهادتهم جائزة . [ ص: 171 ]

12944 - حدثني محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم " قال : هذا في الحضر " أو آخران من غيركم " في السفر " إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " هذا ، الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين ، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس ، فيوصي إليهما .

12945 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " الآية ، قال : إذا حضر الرجل الوفاة في سفر ، فيشهد رجلين من المسلمين . فإن لم يجد رجلين من المسلمين ، فرجلين من أهل الكتاب .

12946 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى قوله : " ذوا عدل منكم " فهذا لمن مات وعنده المسلمون ، فأمره الله أن يشهد على وصيته عدلين من المسلمين . ثم قال : " أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين ، فأمره الله - تعالى ذكره - بشهادة رجلين من غير المسلمين .

ووجه ذلك آخرون إلى معنى التخيير ، وقالوا : إنما عنى بالشهادة في هذا الموضع ، الأيمان على الوصية التي أوصى إليهما ، وائتمان الميت إياهما على ما ائتمنهما عليه من مال ليؤدياه إلى ورثته بعد وفاته ، إن ارتيب بهما . قالوا : وقد [ ص: 172 ] يتمن الرجل على ماله من رآه موضعا للأمانة من مؤمن وكافر في السفر والحضر . وقد ذكرنا الرواية عن بعض من قال هذا القول فيما مضى ، وسنذكر بقيته إن شاء الله تعالى بعد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث