الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الآية السادسة

قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون } .

فيها خمس مسائل :

المسألة الأولى : هذه من نعم الله على خلقه ، ومما امتن عليهم به ، ومن أعظم المنن الماء الذي به حياة الأبدان ونماء الحيوان . [ ص: 317 ]

والماء المنزل من السماء على قسمين : هذا الذي ذكره الله في هذه الآية ، وأخبر عنه بأنه استودعه في الأرض ، وجعله فيها مخزونا لسقيا الناس ، يجدونه [ عدة ] عند الحاجة إليه ، وهو ماء الأنهار والعيون ، وما يستخرج من الآبار .

والقسم الآخر هو الذي ينزل من السماء على الأرض في كل وقت .

المسألة الثانية :

روى أشهب عن مالك أنه سئل عن قول الله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض } الآية ، أهو في الخريف فيما بلغك ، قال : لا والله ; بل هذا في الخريف والشتاء ، وكل شيء ينزل ماؤه من السماء إذا شاء ، ثم هو على ذهاب به لقادر .

قال القاضي : هذا الذي ذكره مالك محتمل ; فإن الله أنزل من السماء ماء ، فأسكنه في الأرض ، ثم ينزله في كل وقت ، فيكون منه غذاء ، ومنه اختزان زائد على ما كان عليه .

وقد قال أشهب : قال مالك : هي الأرض التي لا نبات فيها يعني قوله : { أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا } ، وقوله : { والسماء ذات الرجع } يعني المطر ، { والأرض ذات الصدع } يعني النبات . وهذا يكون في كل لحظة ، كما جاء في الأثر : { إن الله لا يخلي الأرض من مطر في عامر أو غامر ، وإنه ما نزل من السماء ماء إلا بحفظ ملك موكل به ، إلا ما كان من ماء الطوفان ، فإنه خرج منه ما لم يحفظه الملك } ، وذلك قوله تعالى : { إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية } [ ص: 318 ] لأن الماءين التقيا على أمر قد قدر ما كان في الأرض وما نزل من السماء بالإقلاع ، فلم تمتص الأرض من قطره ، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط ، وذلك قوله تعالى : { وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء } .

وهذا يدل على أن الأرض لم تشرب من ماء السماء قطرة .

نكتة أصولية : قال القاضي أبو بكر : قوله : { والسماء ذات الرجع } فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه ذات المطر ; لأنها ترجع في كل عام إلى الحالة التي كانت عليها من إنزال المطر منها .

وظن بعض الناس كما بينا أنها ترد ما أخذت من الأرض من الماء ; إذ السحاب يستقي من البحر ، وأنشدوا في ذلك قول الهذلي :

شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج لهن نئيج

يعني السحاب ، وهذه دعوى عريضة طويلة ، وهي في قدرة الله جائزة ، ولكنه أمر لا يعلم بالنظر ، وإنما طريقه الخبر ، ولم يرد بذلك أثر .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { وإنا على ذهاب به لقادرون } :

يعني لقادرون على إذهاب الماء الذي أسكناه في الأرض ، فيهلك الناس بالعطش ، وتهلك مواشيهم ، وهذا كقوله : { قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين } وقد قال : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } وهي :

المسألة الرابعة :

فهذا عام في ماء المطر والماء المختزن في أرض ، فصارت إحدى الآيتين عامة وهي آية الطهور . والآية الأخرى خاصة وهي ماء القدر المسكن في الأرض ، ومن هاهنا [ ص: 319 ] قال من قال : إن ماء البحر لا يتوضأ به ; لأنه مما لم يخبر الله عنه أنه أنزل من السماء .

وقد بينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { هو الطهور ماؤه الحل ميتته } ، وهذا نص فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث