الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( والمواقيت ) أي المواضع التي لا يجاوزها مريد مكة إلا محرما خمسة ( ذو الحليفة ) بضم ففتح مكان على ستة أميال من المدينة وعشر مراحل من مكة تسميها العوام أبيار علي رضي الله عنه يزعمون أنه قاتل الجن في بعضها وهو كذب [ ص: 475 ] ( وذات عرق ) بكسر فسكون على مرحلتين من مكة ( وجحفة ) على ثلاث مراحل بقرب رابغ ( وقرن ) على مرحلتين فتح الراء خطأ ونسبة أويس إليه خطأ آخر ( ويلملم ) جبل على مرحلتين أيضا ( للمدني والعراقي والشامي ) الغير المار بالمدينة بقرينة ما يأتي ( والنجدي واليمني ) لف ونشر مرتب ويجمعها قوله : عرق العراق يلملم اليمن وبذي الحليفة يحرم المدني للشام جحفة إن مررت بها     ولأهل نجد قرن فاستبن
( وكذا هي لمن مر بها من غير أهلها ) كالشام يمر بميقات أهل المدينة فهو ميقاته قاله النووي الشافعي وغيره [ ص: 476 ] وقالوا ولو مر بميقاتين فإحرامه من الأبعد أفضل ولو أخره إلى الثاني لا شيء عليه على المذهب وعبارة اللباب سقط عنه الدم ولو لم يمر بها تحرى وأحرم إذا حاذى أحدها وأبعدها أفضل فإن لم يكن بحيث يحاذي فعلى مرحلتين

التالي السابق


مطلب في المواقيت

( قوله والمواقيت ) جمع ميقات بمعنى الوقت المحدود واستعير للمكان أعني مكان الإحرام كما استعير المكان للوقت في قوله تعالى - { هنالك ابتلي المؤمنون } - ولا ينافيه قول الجوهري : الميقات موضع الإحرام لأنه ليس من رأيه التفرقة بين الحقيقة والمجاز وكأنه في البحر استند إلى ظاهر ما في الصحاح ، فزعم أنه مشترك بين الوقت والمكان المعين والمراد هنا الثاني ، وأعرض عن كلامهم السابق وقد علمت ما هو الواقع نهر .

ثم اعلم أن الميقات المكاني يختلف باختلاف الناس ، فإنهم ثلاثة أصناف آفاقي ، وحلي أي من كان داخل المواقيت ، وحرمي ، وذكرهم المصنف على هذا الترتيب ( قوله مريد مكة ) أي ولو لغير نسك كتجارة ونحوها كما يأتي ( قوله لا محرما ) أي بحج أو عمرة ( قوله بضم ففتح ) أي وسكون الياء مصغرا لحلفة بالفتح اسم نبت في الماء معروف ( قوله على ستة أميال من المدينة ) وقيل سبعة وقيل أربعة قال العلامة القطبي في منسكه والمحرر من ذلك ما قاله السيد نور الدين علي السمهودي في تاريخه قد اختبرت ذلك فكان من عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب السلام إلى عتبة مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع بتقديم المثناة الفوقية وسبعمائة ذراع بتقديم السين واثنين وثلاثين ذراعا ونصف ذراع بذراع اليد . ا هـ .

قلت : وذلك دون خمسة أميال فإن الميل عندنا أربعة آلاف ذراع بذراع الحديد المستعمل الآن والله أعلم . ا هـ . ( قوله وعشر مراحل ) أو تسع كما في البحر ( قوله وهو كذب ) ذكره في البحر عن مناسك المحقق ابن أمير حاج [ ص: 475 ] الحلبي ( قوله وذات عرق ) في منسك القطبي سميت بذلك لأن فيها عرقا وهو الجبل ، وهي قرية قد خربت الآن وعرق هو الجبل المشرف على العقيق ، والعقيق واد يسيل ماؤه إلى غوري تهامة قاله الأزهري ا هـ .

ولهذا قال في اللباب : والأفضل أن يحرم من العقيق وهو قبل ذات عرق بمرحلة أو مرحلتين ( قوله على المرحلتين ) وقيل ثلاث وجمع بأن الأول نظرا إلى المراحل العرفية والثاني إلى الشرعية ( قوله وجحفة ) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة ، سميت بذلك لأن السيل نزل بها وجحف أهلها أي أستأصلهم ، واسمها في الأصل مهيعة لكن قيل إنها قد ذهبت أعلامها ولم يبق بها إلا رسوم خفية لا يكاد يعرفها إلا سكان بعض البوادي فلذا والله تعالى أعلم اختار الناس الإحرام احتياطا من المكان المسمى برابض ، وبعضهم يجعله بالغين لأنه قبل الجحفة بنصف مرحلة أو قريب من ذلك بحر ، وقال القطبي : ولقد سألت جماعة ممن له خبرة من عربانها عنها فأروني أكمة بعد ما رحلنا من رابغ إلى مكة على جهة اليمين على مقدار ميل من رابغ تقريبا .

( قوله وقرن ) ب فتح القاف وسكون الراء : جبل مطل على عرفات لا خلاف في ضبطه بهذا بين رواة الحديث واللغة والفقه وأصحاب الأخبار وغيرهم نهر عن تهذيب الأسماء واللغات ( قوله و فتح الراء خطأ إلخ ) قال في القاموس : وغلط الجوهري في تحريكه ، وفي نسبة أويس القرني إليه لأنه منسوب إلى قرن بن رومان بن ناجية بن مراد أحد أجداده ( قوله ويلملم ) بفتح المثناة التحتية واللامين وإسكان الميم ويقال لها ألملم بالهمزة وهو الأصل والياء تسهيل لها ( قوله جبل ) أي من جبال تهامة مشهور في زماننا بالسعدية قاله بعض شراح المناسك قال في البحر : وهذه المواقيت ما عدا ذات عرق ثابتة في الصحيحين وذات عرق في صحيح مسلم وسنن أبي داود ( قوله والعراقي ) أي أهل البصرة والكوفة ، وهم أهل العراقين وكذا سائر أهل المشرق وقوله والشامي مثله المصري والغربي من طريق تبوك لباب وشرحه ( قوله الغير المارين بالمدينة ) يعني أن كون ذات عرق للعراقي وجحفة للشامي إذا كانا غير مارين بالمدينة أما لو مرا بها فميقاتهم ميقاتها أعني ذا الحليفة وهذا بيان للأفضل لأنه لا يجب عليهما الإحرام من ذي الحليفة كالمدني كما يأتي تحريره فافهم ( قوله بقرينة ما يأتي ) أي في قوله وكذا هي لمن مر بها من غير أهلها ح .

( قوله والنجدي ) أي نجد اليمن ونجد الحجاز ونجد تهامة لباب ( قوله واليمني ) أي باقي أهل اليمن وتهامة لباب ( قوله ويجمعها إلخ ) جمعها أيضا الشيخ أبو البقاء في البحر العميق بقوله : مواقيت آفاق يمان ونجدة عراق وشام والمدينة فاعلم     يلملم قرن ذات عرق وجحفة
حليفة ميقات النبي المكرم ( قوله وكذا هي ) أي هذه المواقيت الخمسة ( قوله قاله النووي الشافعي وغيره ) سقطت هذه الجملة من بعض [ ص: 476 ] النسخ ، وهو الحق لأن هذه المسألة مصرح بها في كتب المذهب متونا وشروحا فلا معنى لنقلها عن النووي رحمه الله تعالى ح وأجيب بأنه يشير إلى أنها اتفاقية ( قوله وقالوا ) أي علماؤنا الحنفية ( قوله ولو مر بميقاتين ) كالمدني يمر بذي الحليفة ثم بالجحفة فإحرامه من الأبعد أفضل أي الأبعد عن مكة ، وهو ذو الحليفة لكن ذكر في شرح اللباب عن ابن أمير حاج أن الأفضل تأخير الإحرام ، ثم وفق بينهما بأن أفضلية الأول لما فيه من الخروج عن الخلاف وسرعة المسارعة إلى الطاعة ، والثاني لما فيه من الأمن من قلة الوقوع في المحظورات لفساد الزمان بكثرة العصيان ، فلا ينافي ما مر ولا ما في البدائع من قوله من جاوز ميقاتا بلا إحرام إلى آخر جاز إلا أن المستحب أن يحرم من الأول كذا روي عن أبي حنيفة أنه قال في غير أهل المدينة إذا مروا بها فجاوزوها إلى الجحفة فلا بأس بذلك وأحب إلي أن يحرموا من ذي الحليفة لأنهم لما وصلوا إلى الميقات الأول لزمهم محافظة حرمته ، فيكره لهم تركها . ا هـ .

وذكر مثله القدوري في شرحه إلا أن في قول الإمام في غير أهل المدينة إشارة إلى أن المدني ليس كذلك وبه يجمع بين الروايتين عن الإمام بوجوب الدم وعدمه ، بحمل رواية الوجوب على المدني وعدمه على غيره . ا هـ .

قلت : لكن نقل في الفتح أن المدني إذا جاوز إلى الجحفة فأحرم عندها فلا بأس به ، والأفضل أن يحرم من ذي الحليفة ، ونقل قبله عن كافي الحاكم الذي هو جمع كلام محمد في كتب ظاهر الرواية ، ومن جاوز وقته غير محرم ثم أتى وقتا آخر فأحرم منه أجزأه ، ولو كان أحرم من وقته كان أحب إلي ا هـ فالأول صريح ، والثاني ظاهر في المدني أنه لا شيء عليه .

فعلم أن قول الإمام المار في غير أهل المدينة اتفاقي لا احترازي ، وأنه لا فرق في ظاهر الرواية بين المدني وغيره وأما قول الهداية وفائدة التأقيت : أي بالمواقيت الخمسة المنع عن تأخير الإحرام عنها لأنه يجوز التقديم بالإجماع فاعترضه في الفتح بأنه يلزم عليه أنه لا يجوز تأخير المدني الإحرام عن ذي الحليفة والمسطور خلافه نعم روي عن الإمام أن عليه دما لكن الظاهر عنه هو الأول قال في النهر : والجواب أن المنع من التأخير مقيد بالميقات الأخير وتمامه فيه ( قوله على المذهب ) مقابله رواية وجوب الدم ( قوله وعبارة اللباب سقط عنه الدم ) مقتضاها وجوبه بالمجاوزة ثم سقوطه بالإحرام من الأخير وهو مخالف للمسطور كما علمته والظاهر أنه مبني على الرواية الثانية ( قوله ولو لم يمر بها إلخ ) كذا في الفتح .

ومفاده أن وجوب الإحرام بالمحاذاة إنما يعتبر عند عدم المرور على المواقيت أما لو مر عليها فلا يجوز له مجاوزة آخر ما يمر عليه منها وإن كان يحاذي بعده ميقاتا آخر وبذلك أجاب صاحب البحر عما أورده عليه العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي حين اجتماعه به في مكة من أنه ينبغي على مدعاكم أن لا يلزم الشامي والمصري الإحرام من رابغ ، بل من خليص لمحاذاته لآخر المواقيت ، وهو قرن المنازل .

وأجابه بجواب آخر وهو أن مرادهم المحاذاة القريبة ، ومحاذاة المارين بقرن بعيدة لأن بينهم وبينه بعض جبال ، لكن نازعه في النهر بأنه لا فرق بين القريبة والبعيدة ( قوله تحرى ) أي غلب على ظنه مكان المحاذاة وأحرم منه إن لم يجد عالما به يسأله ( قوله إذا حاذى أحدها ) في بعض النسخ إذا حاذاه أحدها ( قوله وأبعدها ) أي عن مكة ( قوله فإن لم يكن إلخ ) كذا في الفتح لكن الأصوب قول اللباب ، فإن لم يعلم المحاذاة لما قال شارحه أنه لا يتصور عدم المحاذاة ا هـ أي لأن المواقيت تعم جهات مكة كلها فلا بد من محاذاة أحدها ( قوله فعلى مرحلتين ) أي من مكة فتح ووجهه [ ص: 477 ] أن المرحلتين أوسط المسافات وإلا فالاحتياط الزيادة مقدسي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث