الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرائط ركن المكاتبة وبعضها يرجع إلى المولى

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما شرائط الركن فأنواع : بعضها يرجع إلى المولى ، وبعضها يرجع إلى المكاتب ، وبعضها يرجع إلى بدل الكتابة ، وبعضها يرجع إلى نفس الركن ثم بعضها شرط الانعقاد ، وبعضها شرط النفاذ ، وبعضها شرط الصحة أما .

الذي يرجع إلى المولى فمنها العقل ، وأنه شرط الانعقاد ، فلا تنعقد المكاتبة من الصبي الذي لا يعقل والمجنون .

ومنها البلوغ وهي شرط النفاذ حتى لا تنفذ الكتابة من الصبي العاقل ، وإن كان حرا أو مأذونا في التجارة من قبل المولى أو الوصي ; لأن المكاتبة ليست بتجارة إذ التجارة مبادلة المال بالمال ، والمكاتبة ليست كذلك ، وليست من توابع التجارة ولا من ضروراتها ، ولهذا لا يملكها العبد المأذون ، والشريك شركة العنان لما قلنا .

وله أن يكاتب عبده بإذن أبيه أو وصيه [ ص: 135 ] لأن الأب والوصي يملكان العقد بأنفسهما فيملكان الإذن به للصبي إذا كان عاقلا .

ومنها الملك والولاية ، وهذا شرط نفاذ ; لأن المكاتبة فيها معنى المعاوضة والتعليق .

وكل واحد منهما عند الانفراد لا يصح بدون الملك والولاية فكذا عند الاجتماع ، فلا تنفذ المكاتبة من الفضولي لانعدام الملك والولاية ، وتنفذ من الوكيل ; لأنه نائب الموكل فكان تصرفه تصرف الموكل ، وكذا من الأب والوصي استحسانا والقياس أن لا تنفذ ، وجه القياس أن المكاتبة تصرف يفضي إلى العتق ، وهما لا يملكان الإعتاق لا بغير بدل ولا ببدل كالإعتاق على مال ، وبيع نفس العبد منه ، وجه الاستحسان أن المكاتبة من باب اكتساب المال ، ولهما ولاية اكتساب المال كالبيع والإجارة بخلاف الإعتاق على مال وبيع نفس العبد منه ; لأن ذلك ليس من باب الاكتساب بل هو من باب الإعتاق ; لأن العبد يعتق بنفس القبول فيبقى المال دينا في ذمة المفلس ، فإن أقر الأب أو الوصي بقبض بدل الكتابة ، فإن كانت الكتابة معروفة ظاهرة بمحضر الشهود يصدق ويعتق المكاتب ; لأنه أمين في قبض الكتابة ، فكان مصدقا ; كالوكيل بالبيع إذا باع ثم أقر بقبض الثمن ، وإن لم تكن معروفة لم يجز إقراره ، ولا يعتق العبد ; لأن الكتابة إذا لم تكن ظاهرة كان ذلك منه إقرارا بالعتق ، وإقرار الأب أو الوصي بعتق عبد اليتيم لا يجوز ، وإذا كانت الكتابة ظاهرة كان ذلك منه إقرارا باستيفاء الدين ، فيصح إقراره ولو كاتب الأب أو الوصي ثم أدرك الصبي فلم يرض بالكتابة فالمكاتبة ماضية إلا أنه ليس للوصي ولا للأب أن يقبض بدل الكتابة ; لأنه إنما كان يملك القبض بولايته لا بمباشرة العقد ; لأن حقوق العقد في المكاتبة يرجع إلى من عقد له لا إلى العاقد ، وقد زالت ولايته بالبلوغ ، بخلاف الوصي إذا باع شيئا ثم أدرك اليتيم أن له أن يقبض ; لأن حقوق البيع وكل عقد هو مبادلة المال بالمال يرجع إلى العاقد ، هذا إذا كانت الورثة صغارا ، فإن كانوا كبارا لا يجوز للوصي أن يكاتب ولا للأب ; لزوال ولايتهما بالبلوغ سواء كانوا حضورا أو غيبا ; لأن الموجب لزوال الولاية لا يختلف ، وهذا بخلاف البيع ; لأن الوارث الكبير إذا كان غائبا أن للأب والوصي أن يبيع المنقول ; لأن بيع المنقول من باب الحفظ ; لأن حفظ ثمنه أيسر من حفظ عينه ، ولهما ولاية الحفظ وليس في الكتابة حفظ فلا يملكانها ، وإن كان الورثة صغارا وكبارا ذكر في الأصل أنه لا يجوز ، ثم اختلف في هذا الإطلاق قال بعضهم : معناه أنه لا يجوز في نصيب الكبار .

وأما في نصيب الصغار فجائز وقال بعضهم : معناه أنه لا يجوز في نصيب الكبار والصغار جميعا ; لأنه إذا لم يجز في نصيب الكبار لم يكن في جوازه في نصيب الصغار فائدة ; لأن لهم أن يفسخوا العقد وصار كعبد بين اثنين أنه يمنع أحدهما عن كتابة نصيبه إلا برضا شريكه ; لأنه لو فعل بغير إذن شريكه كان لشريكه أن يفسخ فلم يكن فيه فائدة كذا هذا ، ولو كان على الميت دين فكاتب الوصي عبده من تركته لم يجز كذا ذكر في الأصل ولم يفصل بين ما إذا كان الدين محيطا بالتركة وبين ما إذا لم يكن محيطا بها ، منهم من أجرى المذكور في الأصل على إطلاقه وقال : لا تجوز مكاتبته ، سواء كان الدين محيطا بالتركة أو لم يكن أما إذا كان محيطا بالتركة فلأن حق الغرماء يكون متعلقا بها ، والمكاتبة تتضمن إبطال حقهم ; لأنها لو صحت لصارت حقوقهم منجمة مؤجلة ، وحقوقهم معجلة فلا يملك تأجيلها بالكتابة ، وإن كان غير محيط بالتركة فكذلك ; لأن ذلك القدر من الدين يتعلق بالتركة مطلقا وتبطل الكتابة ; لأن ذلك القدر من الدين يتأجل تسليمه فيتضرر به الغريم إلا أن يختار استيفاءه من غيرها فيجوز ; لأن عدم الجواز لحق الغريم ، فإذا استوفى من محل آخر فقد زال حقه فزال المانع بين الجواز ، وذكر القدوري أن المسألة محمولة على ما إذا كان للميت غير العبد أو غير القدر الذي يقضي به الدين .

فأما إذا لم يكن الدين محيطا بالتركة يجوز له ذلك ; لأنه إذا كان هناك مال آخر يقضي به الدين فحق الغرماء لا يتعلق بعين العبد ; لأن التعليق بحاجتهم إلى استيفاء دينهم ، وأنه يحصل بدونه ; لأنه لو تعلق قليل الدين بجملة التركة لأدى إلى الحرج ; لأن التركة قلما تخلو عن قليل الدين ولا يجوز لأحد الوصيين أن يكاتب بغير إذن صاحبه في قول أبي حنيفة ومحمد ويجوز في قول أبي يوسف ، وأصل المسألة أنه هل لأحد الوصيين أن يتصرف في مال اليتيم بغير إذن صاحبه ؟ فهو على الخلاف الذي ذكرنا ، وهي من مسائل كتاب الوصايا ولوصي الوصي أن يكاتب [ ص: 136 ] لأنه قائم مقام الوصي وسواء كان المملوك محجورا أو مأذونا بالتجارة وعليه دين أو لا دين عليه ; لأن الدين لا يوجب زوال الملك عنه ، فتنفذ المكاتبة إلا أنه إذا كان عليه دين محيط أو غير محيط فللغرماء أن يردوا المكاتبة ; لأن لهم حق الاستيفاء من رقبته ، وهو بالمكاتبة أراد إبطال حقهم فكان لهم أن ينقضوا كما لو باعه وعليه دين محيط أو غير محيط أن البيع ينفذ لكن للغرماء أن ينقضوا إلا إذا كان قضى المولى دينهم من مال آخر قبل أن ينقضوا ، فليس لهم أن ينقضوا ، ومضت المكاتبة ; لأنها وقعت جائزة لوقوعها في الملك إلا أنه كان للغرماء النقض لقيام حقهم فإذا قضى دينهم فقد زال حقهم فبقيت جائزة ، ولا يرجع المولى بما قضى من الدين على المكاتب ; لأنه بقضاء الدين أصلح مكاتبته فكان عاملا لنفسه ، وكذا لو أبى المولى أن يؤدي الدين ، وأداه الغلام عاجلا مضت المكاتبة لما قلنا ، ولا يرجع العبد على المولى بما أدى لما قلنا ، فإن كان المولى أخذ البدل ثم علم الغرماء بذلك فلهم أن يأخذوا من المولى ما أخذ من بدل الكتابة ; لأنه كسب العبد المديون وأنه يؤخذ من المولى ، والعتق واقع إما من طريق المعاوضة لسلامة العوض للمولى ، وإما من طريق التعليق بالشرط لوجود الشرط وهو أداء بدل الكتابة ، والعتق بعد وقوعه لا يحتمل النقض فإن بقي من دينهم شيء كان لهم أن يضمنوا المولى قيمته ; لأنه أبطل حقهم في قدر قيمة العبد حيث منعهم عن بيعه بوقوع العتق ، ولهم أن يبيعوا العبد ببقية دينهم ; لأن الدين كان ثابتا في ذمته متعلقا برقبته وقد بطلت الرقبة بالحرية فبقيت الذمة ، فكان لهم أن يبيعوه ولا يرجع المولى على العبد بما أخذ منه من بدل الكتابة ; لأن المولى حين كاتبه كانت رقبته مشغولة بالدين فكانت مكاتبته إياه مع علمه أن الغرماء أحق منه بكسبه دلالة الرضا بما أخذ منه ، ولو كان العبد مرهونا أو مؤاجرا فكاتبه ، وقفت المكاتبة على إجازة المرتهن والمستأجر ، فإن أجازا جاز ، وإن فسخا هل تنفسخ بفسخهما ؟ فهو على ما نذكر في البيوع والإجارات إن شاء الله تعالى وسواء كان المملوك قنا أو غيره ، حتى لو كانت مدبرة أو أم ولد ، جازت المكاتبة لقيام الملك ، إذ التدبير والاستيلاد لا يزيلان الملك وهما من باب استعجال الحرية فإن أديا وعتقا فقد مضى الأمر ، وإن مات المولى قبل الأداء عتقا ; لأنهما يعتقان بموت السيد هذا إذا كانا يخرجان من الثلث فإن كانا لا يخرجان من الثلث فأم الولد تعتق من غير اعتبار الثلث ولا تسعى .

وأما المدبر فله الخيار في قول أبي حنيفة إن شاء سعى في جميع الكتابة وإن شاء سعى في ثلثي القيمة ، إذا كان لا مال له غيره ، فإن اختار الكتابة سعى على النجوم ، وإن اختار السعاية في ثلثي قيمته يسعى حالا ، وعند أبي يوسف ومحمد لا خيار له ، لكن عند أبي يوسف يسعى في الأقل من جميع الكتابة ومن ثلثي القيمة ، وعند محمد يسعى في الأقل من ثلثي الكتابة ومن ثلثي القيمة وقد ذكرنا المسألة في كتاب الاستيلاد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث