الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في المخاطبين بقوله : ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) .

فقال بعضهم : خوطب بقوله : ( وما يشعركم ) المشركون المقسمون بالله ، [ ص: 40 ] لئن جاءتهم آية ليؤمنن وانتهى الخبر عند قوله : ( وما يشعركم ) ، ثم استؤنف الحكم عليهم بأنهم لا يؤمنون عند مجيئها استئنافا مبتدأ .

ذكر من قال ذلك :

13747 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : ( وما يشعركم ) ، قال : ما يدريكم . قال : ثم أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون .

13748 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وما يشعركم ) ، وما يدريكم " أنها إذا جاءت " ، قال : أوجب عليهم أنها إذا جاءت لا يؤمنون .

13749 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : سمعت عبد الله بن زيد يقول : " إنما الآيات عند الله " ، ثم يستأنف فيقول : إنها إذا جاءت لا يؤمنون .

13750 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : ( إنما الآيات عند الله وما يشعركم ) ، وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت . ثم استقبل يخبر عنهم فقال : إذا جاءت لا يؤمنون .

وعلى هذا التأويل قراءة من قرأ ذلك بكسر ألف " إنها " ، على أن قوله : " إنها إذا جاءت لا يؤمنون " ، خبر مبتدأ منقطع عن الأول .

وممن قرأ ذلك كذلك ، بعض قرأة المكيين والبصريين .

وقال آخرون منهم : بل ذلك خطاب من الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه . قالوا : وذلك أن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بآية ، المؤمنون به . قالوا : وإنما كان سبب مسألتهم إياه ذلك ، أن المشركين حلفوا أن الآية [ ص: 41 ] إذا جاءت آمنوا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : سل يا رسول الله ربك ذلك ! فسأل ، فأنزل الله فيهم وفي مسألتهم إياه ذلك : " قل " للمؤمنين بك يا محمد " إنما الآيات عند الله وما يشعركم " ، أيها المؤمنون بأن الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين بالله ، أنهم لا يؤمنون به ففتحوا " الألف " من " أن " .

ومن قرأ ذلك كذلك ، عامة قرأة أهل المدينة والكوفة ، وقالوا : أدخلت " لا " في قوله : ( لا يؤمنون ) صلة ، كما أدخلت في قوله : ( ما منعك ألا تسجد ) ، [ سورة الأعراف : 12 ] ، وفي قوله : ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) ، [ سورة الأنبياء : 95 ] ، وإنما المعنى : وحرام عليهم أن يرجعوا وما منعك أن تسجد .

وقد تأول قوم قرءوا ، ذلك بفتح " الألف " من ( أنها ) بمعنى : لعلها . وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب .

وقد ذكر عن العرب سماعا منها : " اذهب إلى السوق أنك تشتري لي شيئا " ، بمعنى : لعلك تشتري .

وقد قيل : إن قول عدي بن زيد العبادي :


أعاذل ، ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد



[ ص: 42 ] بمعنى : لعل منيتي; وقد أنشدوا في بيت دريد بن الصمة :


ذريني أطوف في البلاد لأنني     أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا



بمعنى : لعلني . والذي أنشدني أصحابنا عن الفراء : " لعلني أرى ما ترين " . وقد أنشد أيضا بيت توبة بن الحمير :


لهنك يا تيسا نزا في مريرة     معذب ليلى أن تراني أزورها

[ ص: 43 ]

" لهنك يا تيسا " ، بمعنى : " لأنك " التي في معنى " لعلك " ، وأنشد بيت أبي النجم العجلي :


قلت لشيبان ادن من لقائه     أنا نغدي القوم من شوائه



بمعنى : لعلنا نغدي القوم .

قال أبو جعفر : وأولى التأويلات في ذلك بتأويل الآية ، قول من قال : ذلك خطاب من الله للمؤمنين به من أصحاب رسوله أعني قوله : ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) وأن قوله : " أنها " ، بمعنى : لعلها .

وإنما كان ذلك أولى تأويلاته بالصواب ، لاستفاضة القراءة في قرأة الأمصار بالياء من قوله : ( لا يؤمنون ) .

ولو كان قوله : ( وما يشعركم ) خطابا للمشركين ، لكانت القراءة في قوله : ( لا يؤمنون ) ، بالتاء ، وذلك ، وإن كان قد قرأه بعض قرأة المكيين كذلك ، فقراءة خارجة عما عليه قرأة الأمصار ، وكفى بخلاف جميعهم لها دليلا على ذهابها وشذوذها .

وإنما معنى الكلام : وما يدريكم ، أيها المؤمنون ، لعل الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون ، فيعاجلوا بالنقمة والعذاب عند ذلك ، ولا يؤخروا به .

التالي السابق


الخدمات العلمية