الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا "

القول في تأويل قوله ( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن أراد الله إضلاله عن سبيل الهدى ، يشغله بكفره وصده عن سبيله ، ويجعل صدره بخذلانه وغلبة الكفر عليه ، حرجا .

و " الحرج " أشد الضيق ، وهو الذي لا ينفذه ، من شدة ضيقه ، وهو ههنا الصدر الذي لا تصل إليه الموعظة ، ولا يدخله نور الإيمان ، لرين الشرك عليه . وأصله من " الحرج " ، و " الحرج " جمع " حرجة " ، وهي الشجرة الملتف بها [ ص: 104 ] الأشجار ، لا يدخل بينها وبينها شيء لشدة التفافها بها ، كما : -

13862 - حدثني المثنى قال : حدثنا الحجاج بن المنهال قال : حدثنا هشيم قال : حدثنا عبد الله بن عمار رجل من أهل اليمن عن أبي الصلت الثقفي : أن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه قرأ هذه الآية : ( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ) بنصب الراء . قال : وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ضيقا حرجا " . قال صفوان : فقال عمر : ابغوني رجلا من كنانة واجعلوه راعيا ، وليكن مدلجيا . قال : فأتوه به . فقال له عمر : يا فتى ، ما الحرجة ؟ قال : " الحرجة " فينا ، الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء . قال : فقال عمر : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير .

13863 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ) ، يقول : من أراد الله أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل الإسلام عليه ضيقا ، والإسلام واسع . وذلك حين يقول : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ، [ سورة الحج : 78 ] ، يقول : ما جعل [ ص: 105 ] عليكم في الإسلام من ضيق .

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك .

فقال : بعضهم معناه : شاكا .

ذكر من قال ذلك :

13864 - حدثنا عمران بن موسى قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال : حدثنا حميد ، عن مجاهد : ( ضيقا حرجا ) قال : شاكا .

13865 - حدثني محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : ( ضيقا حرجا ) أما " حرجا " ، فشاكا .

وقال آخرون : معناه : ملتبسا .

ذكر من قال ذلك :

13866 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( يجعل صدره ضيقا حرجا ) ، قال : ضيقا ملتبسا .

13867 - حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن الحسن ، عن قتادة أنه كان يقرأ : ( ضيقا حرجا ) ، يقول : ملتبسا .

وقال آخرون : معناه : أنه من شدة الضيق لا يصل إليه الإيمان .

ذكر من قال ذلك :

13868 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا جرير ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير : ( يجعل صدره ضيقا حرجا ) ، قال : لا يجد مسلكا إلا صعدا .

13869 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن عطاء الخراساني : ( ضيقا حرجا ) ، قال : ليس للخير فيه منفذ . [ ص: 106 ]

13870 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد بن نصر قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن عطاء الخراساني ، مثله .

13871 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج عن ابن جريج قوله : ( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ) ، بلا إله إلا الله ، لا يجد لها في صدره مساغا .

13872 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد بن نصر قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج قراءة في قوله : ( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ) ، بلا إله إلا الله ، حتى لا تستطيع أن تدخله .

واختلفت القرأة في قراءة ذلك .

فقرأه بعضهم : ( ضيقا حرجا ) بفتح الحاء والراء من ( حرجا ) ، وهي قراءة عامة المكيين والعراقيين ، بمعنى جمع " حرجة " ، على ما وصفت .

وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة : " ضيقا حرجا " ، بفتح الحاء وكسر الراء .

ثم اختلف الذين قرءوا ذلك في معناه .

فقال بعضهم : هو بمعنى : " الحرج " . وقالوا : " الحرج " بفتح الحاء والراء ، و " الحرج " بفتح الحاء وكسر الراء ، بمعنى واحد ، وهما لغتان مشهورتان ، مثل : " الدنف " و " الدنف " ، و " الوحد " و " الوحد " ، و " الفرد " و " الفرد " .

وقال آخرون منهم : بل هو بمعنى الإثم ، من قولهم : " فلان آثم حرج " ، وذكر عن العرب سماعا منها : " حرج عليك ظلمي " ، بمعنى : ضيق وإثم . [ ص: 107 ]

قال أبو جعفر : والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ، ولغتان مستفيضتان بمعنى واحد ، وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب ، لاتفاق معنيهما . وذلك كما ذكرنا من الروايات عن العرب في " الوحد " و " الفرد " بفتح الحاء من " الوحد " والراء من " الفرد " ، وكسرهما ، بمعنى واحد .

وأما " الضيق " ، فإن عامة القرأة على فتح ضاده وتشديد يائه ، خلا بعض المكيين فإنه قرأه : " ضيقا " ، بفتح الضاد وتسكين الياء ، وتخفيفه .

وقد يتجه لتسكينه ذلك وجهان :

أحدهما أن يكون سكنه وهو ينوي معنى التحريك والتشديد ، كما قيل : " هين لين " ، بمعنى : هين لين .

والآخر : أن يكون سكنه بنية المصدر ، من قولهم : " ضاق هذا الأمر يضيق ضيقا " ، كما قال رؤبة :


قد علمنا عند كل مأزق ضيق بوجه الأمر أو مضيق



ومنه قول الله : ( ولا تك في ضيق مما يمكرون ) ، [ سورة النحل : 127 ] . وقال رؤبة أيضا وشفها اللوح بمأزول ضيق

[ ص: 108 ] بمعنى : ضيق . وحكي عن الكسائي أنه كان يقول : " الضيق " ، بالكسر : في المعاش والموضع ، وفي الأمر " الضيق " .

قال أبو جعفر : وفي هذه الآية أبين البيان لمن وفق لفهمهما ، عن أن السبب الذي به يوصل إلى الإيمان والطاعة ، غير السبب الذي به يوصل إلى الكفر والمعصية ، وأن كلا السببين من عند الله . وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن نفسه أنه يشرح صدر من أراد هدايته للإسلام ، ويجعل صدر من أراد إضلاله ضيقا عن الإسلام حرجا كأنما يصعد في السماء . ومعلوم أن شرح الصدر للإيمان خلاف تضييقه له ، وأنه لو كان يوصل بتضييق الصدر عن الإيمان إليه ، لم يكن بين تضييقه عنه وبين شرحه له فرق ، ولكان من ضيق صدره عن الإيمان ، قد شرح صدره له ، ومن شرح صدره له ، فقد ضيق عنه ، إذ كان موصولا بكل واحد منهما أعني من التضييق والشرح إلى ما يوصل به إلى الآخر . ولو كان ذلك كذلك ، وجب أن يكون الله قد كان شرح صدر أبي جهل للإيمان به ، وضيق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه . وهذا القول من أعظم الكفر بالله . وفي فساد ذلك أن يكون كذلك ، الدليل الواضح على أن السبب الذي به آمن المؤمنون بالله ورسله ، وأطاعه المطيعون ، غير السبب الذي كفر به الكافرون بالله وعصاه العاصون ، وأن كلا السببين من عند الله وبيده ؛ لأنه أخبر جل ثناؤه أنه هو [ ص: 109 ] الذي يشرح صدر هذا المؤمن به للإيمان إذا أراد هدايته ، ويضيق صدر هذا الكافر عنه إذا أراد إضلاله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث