الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى: تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187)

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه ": هذا مثل ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن وقع في الشبهات، وأنه يقرب وقوعه في الحرام المحض،

وفي بعض الروايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "وسأضرب لكم مثلا" ثم ذكر هذا الكلام، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل المحرمات كالحمى الذي تحميه الملوك، ويمنعون غيرهم من قربانه، وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حول مدينته اثني عشر ميلا حمى محرما، لا يقطع شجره، ولا يصاد صيده، وحمى عمر وعثمان أماكن ينبت فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة . والله عز وجل حمى هذه المحرمات، ومنع عباده من قربانها، وسماها حدوده، فقال تعالى: تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) . [ ص: 144 ] وهذا فيه بيان أنه حد لهم ما أحل لهم وما حرم عليهم، فلا يقربوا الحرام، ولا يتعدوا الحلال، ولذلك قال في آية أخرى: تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون وجعل من يرعى حول الحمى وقريبا منه جديرا بأن يدخل الحمى ويرتع فيه . فكذلك من تعدى الحلال، ووقع في الشبهات، فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة، فما أخلقه بأن يخالط الحرام المحض، ويقع فيه، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن الحرمات، وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزا . وقد خرج الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن يزيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس" . وقال أبو الدرداء : تمام التقوى أن يتقي الله العبد، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حراما، حجابا بينه وبين الحرام .

وقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام .

وقال الثوري : إنما سموا "المتقين " لأنهم اتقوا ما لا يتقى . وروي عن ابن عمر قال: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها .

وقال ميمون بن مهران : لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال .

وقال سفيان بن عيينة : لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين [ ص: 145 ] الحرام حاجزا من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه . ويستدل بهذا الحديث من يذهب إلى سد الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل إليها، ويدل على ذلك أيضا من قواعد الشريعة تحريم قليل ما يسكر كثيره، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر سدا لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ومنع الصائم من المباشرة إذا كانت تحرك شهوته، ومنع كثير من العلماء مباشرة الحائض فيما بين سرتها وركبتها إلا من وراء حائل، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر امرأته إذا كانت حائضا أن تتزر، فيباشرها من فوق الإزار .

ومن أمثلة ذلك وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - من سيب دابته ترعى بقرب زرع غيره، فإنه ضامن لما أفسدته من الزرع، ولو كان ذلك نهارا . هذا هو الصحيح، لأنه مفرط بإرسالها في هذه الحال . وكذا الخلاف لو أرسل كلب الصيد قريبا من الحرم، فدخل الحرم فصاد فيه، ففي ضمانه روايتان عن أحمد ، وقيل: يضمنه بكل حال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث