الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( كتاب الإجارة ) :

الكلام في هذا الكتاب يقع في سبع مواضع : في بيان جواز الإجارة ، وفي بيان ركن الإجارة ، ومعناها ، وفي بيان شرائط الركن ، وفي بيان صفة الإجارة ، وفي بيان حكم الإجارة ، وفي بيان حكم اختلاف العاقدين في عقد الإجارة ، وفي بيان ما ينتهي به عقد الإجارة أما الأول فالإجارة جائزة عند عامة العلماء .

وقال أبو بكر الأصم : إنها لا تجوز ، والقياس ما قاله ; لأن الإجارة بيع المنفعة والمنافع للحال معدومة ، والمعدوم لا يحتمل البيع فلا يجوز إضافة البيع إلى ما يؤخذ في المستقبل كإضافة البيع إلى أعيان تؤخذ في المستقبل فإذا لا سبيل إلى تجويزها لا باعتبار الحال ، ولا باعتبار المآل فلا جواز لها رأسا لكنا استحسنا الجواز بالكتاب العزيز ، والسنة ، والإجماع .

أما الكتاب العزيز فقوله عز وجل خبرا عن أب المرأتين اللتين سقى لهما موسى عليه الصلاة والسلام { قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج } أي على أن تكون أجيرا لي أو على أن تجعل عوضي من إنكاحي ابنتي إياك رعي غنمي ثماني حجج ، يقال : آجره الله تعالى أي عوضه ، وأثابه ، وقوله عز وجل خبرا عن تينك المرأتين { قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين } وما قص الله علينا من شرائع من قبلنا من غير نسخ يصير شريعة لنا مبتدأة ويلزمنا على أنه شريعتنا لا على أنه شريعة من قبلنا لما عرف في أصول الفقه ، وقوله عز وجل { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } والإجارة ابتغاء الفضل ، وقوله عز وجل { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } وقد قيل نزلت الآية في حج المكاري فإنه روي أن رجلا جاء إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال : إنا قوم نكرى ، ونزعم أن ليس لنا حج فقال : ألستم تحرمون ، وتقفون ، وترمون ؟ فقال : نعم ، فقال رضي الله عنه : أنتم حجاج ، ثم قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألتني فلم يجبه حتى أنزل الله عز وجل { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتم حجاج ، وقوله عز وجل في استئجار الظئر { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا [ ص: 174 ] جناح عليكم } نفى سبحانه وتعالى الجناح عمن يسترضع ولده ، والمراد منه الاسترضاع بالأجرة ، دليله قوله تعالى { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } قيل أي الأجر الذي قبلتم ، وقوله { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } وهذا نص وهو في المطلقات .

وأما السنة فما روى محمد في الأصل عن أبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا يستام الرجل على سوم أخيه ولا ينكح على خطبته ، ولا تناجشوا ، ولا تبيعوا بإلقاء الحجر ، ومن استأجر أجيرا فليعلمه أجره } وهذا منه صلى الله عليه وسلم تعليم شرط جواز الإجارة وهو إعلام الأجر فيدل على الجواز .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { : أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه } أمر صلى الله عليه وسلم بالمبادرة إلى إعطاء أجر الأجير قبل فراغه من العمل من غير فصل ، فيدل على جواز الإجارة ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ، ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ، ولم يعطه أجره } ، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت { : استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه رجلا من بني الديل هاديا خريتا ، وهو على دين كفار قريش فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث فأتاهما فارتحلا ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة ، والدليل الديلي فأخذ بهم طريق الساحل } وأدنى ما يستدل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم الجواز .

وروي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رافع بن خديج ، وهو في حائطه فأعجبه فقال : لمن هذا الحائط فقال : لي يا رسول الله استأجرته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تستأجره بشيء منه } خص صلى الله عليه وسلم النهي باستئجاره ببعض الخارج منه ولو لم تكن الإجارة جائزة أصلا لعم النهي إذ النهي عن المنكر واجب ، وكذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يؤاجرون ويستأجرون فلم ينكر عليهم فكان ذلك تقريرا منه والتقرير أحد وجوه السنة .

وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على ذلك قبل وجود الأصم حيث يعقدون عقد الإجارة من زمن الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا هذا من غير نكير ، فلا يعبأ بخلافه إذ هو خلاف الإجماع ، وبه تبين أن القياس متروك لأن الله تعالى إنما شرع العقود لحوائج العباد ، وحاجتهم إلى الإجارة ماسة ; لأن كل واحد لا يكون له دار مملوكة يسكنها أو أرض مملوكة يزرعها أو دابة مملوكة يركبها وقد لا يمكنه تملكها بالشراء لعدم الثمن ، ولا بالهبة والإعارة ; لأن نفس كل واحد لا تسمح بذلك فيحتاج إلى الإجارة فجوزت بخلاف القياس لحاجة الناس كالسلم ونحوه ، تحقيقه أن الشرع شرع لكل حاجة عقدا يختص بها فشرع لتمليك العين بعوض عقدا وهو البيع ، وشرع لتمليكها بغير عوض عقدا وهو الهبة ، وشرع لتمليك المنفعة بغير عوض عقدا وهو الإعارة ، فلو لم يشرع الإجارة مع امتساس الحاجة إليها لم يجد العبد لدفع هذه الحاجة سبيلا وهذا خلاف موضوع الشرع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث