الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( 2600 ) الفصل الثاني ، في الشروط التي يجب الدم على من اجتمعت فيه ، وهي خمسة ; الأول ، أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، فإن أحرم بها في غير أشهره ، لم يكن متمتعا ، سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج ، أو في غير أشهره . نص عليه أحمد .

قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله ، سئل عمن أهل بعمرة في غير أشهر الحج ، ثم قدم في شوال ، أيحل من عمرته في شوال ، أو يكون متمتعا ؟ فقال : لا يكون متمتعا . واحتج بحديث جابر ، وذكر إسناده عن أبي الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن امرأة تجعل على نفسها عمرة في شهر مسمى ، ثم تحل إلا ليلة واحدة ، ثم تحيض ؟ قال : لتخرج ، ثم لتهل بعمرة ، ثم لتنتظر حتى تطهر ، ثم لتطف بالبيت . قال أبو عبد الله : فجعل عمرتها في الشهر الذي أهلت فيه ، لا في الشهر الذي حلت فيه . ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن من اعتمر في غير أشهر الحج عمرة ، وحل منها قبل أشهر الحج ، أنه لا يكون متمتعا ، إلا قولين شاذين ، أحدهما عن طاوس ، أنه قال : إذا اعتمرت في غير أشهر الحج ، ثم أقمت حتى الحج ، فأنت متمتع . والثاني عن الحسن ، أنه قال : من اعتمر بعد النحر ، فهي متعة .

قال : ابن المنذر : لا نعلم أحدا قال بواحد من هذين القولين . فأما إن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج ، ثم حل منها في أشهر الحج ، فذهب أحمد أنه لا يكون متمتعا . ونقل معنى ذلك عن جابر ، وأبي عياض . وهو قول إسحاق ، وأحد قولي الشافعي .

وقال طاوس : عمرته في الشهر الذي يدخل فيه الحرم . وقال الحسن ، والحكم ، وابن شبرمة ، والثوري ، والشافعي في أحد قوليه : عمرته في الشهر الذي يطوف فيه .

وقال عطاء : عمرته في الشهر الذي يحل فيه . وهو قول مالك . وقال أبو حنيفة : إن طاف للعمرة أربعة أشواط في غير أشهر الحج ، فليس بمتمتع . وإن طاف الأربعة في أشهر الحج ، فهو متمتع ; لأن العمرة صحت في أشهر الحج ; بدليل أنه لو وطئ أفسدها ، أشبه إذا أحرم بها في أشهر الحج .

ولنا ، ما ذكرنا عن جابر ، ولأنه أتى بنسك لا تتم العمرة إلا به في غير أشهر الحج ، فلم يكن متمتعا ، كما لو طاف . ويخرج عليه ما قاسوا عليه . الثاني ، أن يحج من عامه ، فإن اعتمر في أشهر الحج ، ولم يحج ذلك العام ، بل حج من العام القابل ، فليس بمتمتع . لا نعلم فيه خلافا ، إلا قولا شاذا عن الحسن ، في من اعتمر في أشهر الحج ، فهو متمتع ، حج أو لم يحج . والجمهور على خلاف هذا ; لأن الله تعالى قال : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي . } [ ص: 245 ]

وهذا يقتضي الموالاة بينهما ، ولأنهم إذا أجمعوا على أن من اعتمر في غير أشهر الحج ، ثم حج من عامه ذلك ، فليس بمتمتع ، فهذا أولى من التباعد بينهما أكثر . الثالث ، أن لا يسافر بين العمرة والحج سفرا بعيدا تقصر في مثله الصلاة . نص عليه .

وروي ذلك عن عطاء ، والمغيرة المديني ، وإسحاق . وقال الشافعي : إن رجع إلى الميقات ، فلا دم عليه . وقال أصحاب الرأي : إن رجع إلى مصره ، بطلت متعته ، وإلا فلا . وقال مالك : إن رجع إلى مصره ، أو إلى غيره أبعد من مصره ، بطلت متعته ، وإلا فلا .

وقال الحسن : هو متمتع وإن رجع إلى بلده . واختاره ابن المنذر ; لعموم قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } . ولنا ، ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : إذا اعتمر في أشهر الحج ، ثم أقام ، فهو متمتع . فإن خرج ورجع ، فليس بمتمتع . وعن ابن عمر نحو ذلك . ولأنه إذا رجع إلى الميقات ، أو ما دونه ، لزمه الإحرام منه ، فإن كان بعيدا فقد أنشأ سفرا بعيدا لحجه ، فلم يترفه بأحد السفرين ، فلم يلزمه دم ، كموضع الوفاق . والآية تناولت المتمتع ، وهذا ليس بمتمتع ; بدليل قول عمر .

الرابع ، أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج ، فإن أدخل الحج على العمرة قبل حله منها ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم والذين كان معهم الهدي من أصحابه ، فهذا يصير قارنا ، ولا يلزمه دم المتعة . قالت عائشة : { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع ، فأهللنا بعمرة ، فقدمت مكة وأنا حائض ، لم أطف بالبيت ، ولا بين الصفا والمروة ، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : انقضي رأسك ، وامتشطي ، وأهلي بالحج ، ودعي العمرة . قالت : ففعلت ، فلما قضينا الحج ، أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم ، فاعتمرت معه ، فقال : هذه مكان عمرتك . قال عروة : فقضى الله حجها وعمرتها ، ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة } . متفق عليه . ولكن عليه دم للقران ; لأنه صار قارنا ، وترفه بسقوط أحد السفرين .

وقول عروة : لم يكن في ذلك هدي . يحتمل أنه أراد لم يكن فيه هدي للمتعة ، إذ قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه بقرة بينهن . الخامس ، أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام . ولا خلاف بين أهل العلم ، في أن دم المتعة لا يجب على حاضري المسجد الحرام ، إذ قد نص الله تعالى في كتابه بقوله سبحانه : { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } . ولأن حاضر المسجد الحرام ميقاته مكة ، فلم يحصل له الترفه بأحد السفرين ، ولأنه أحرم بالحج من ميقاته ، فأشبه المفرد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث