الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثاني والأربعون قال الله تعالى يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 400 ] الحديث الثاني والأربعون . عن أنس بن مالك رضي عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله تعالى : يابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم ، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ، ثم استغفرتني ، غفرت لك ، يا ابن آدم ، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لأتيتك بقرابها مغفرة . رواه الترمذي وقال : حديث حسن .

التالي السابق


هذا الحديث تفرد به الترمذي خرجه من طريق كثير بن فائد ، حدثنا سعيد بن عبيد ، سمعت بكر بن عبد الله المزني يقول : حدثنا أنس ، فذكره ، وقال : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه . انتهى . وإسناده لا بأس به ، وسعيد بن عبيد هو الهنائي ، قال أبو حاتم : شيخ . وذكره ابن حبان في " الثقات " ، ومن زعم أنه غير الهنائي ، فقد وهم ، وقال الدارقطني : تفرد به كثير بن فائد ، عن سعيد مرفوعا ، ورواه سلم بن قتيبة ، عن سعيد بن عبيد ، فوقفه على أنس . قلت : قد روي عنه مرفوعا وموقوفا ، وتابعه على رفعه أبو سعيد أيضا مولى بني هاشم ، فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعا أيضا ، وقد روي أيضا من حديث ثابت ، عن أنس مرفوعا ، ولكن قال أبو حاتم : هو منكر . وقد روي أيضا من حديث أبي ذر خرجه الإمام أحمد من رواية شهر بن [ ص: 401 ] حوشب ، عن معديكرب ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه عز وجل فذكره بمعناه ، ورواه بعضهم عن شهر ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي ذر وقيل : عن شهر ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يصح هذا القول . وروي من حديث ابن عباس خرجه الطبراني من رواية قيس بن الربيع ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وروي بعضه من وجوه أخر ، فخرج مسلم في " صحيحه " من حديث المعرور بن سويد ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يقول الله تعالى : من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ، ومن تقرب مني ذراعا ، تقربت منه باعا ، ومن أتاني يمشي ، أتيته هرولة ، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بقرابها مغفرة . وخرج الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي ، قال : دخلت على أنس [ ص: 402 ] فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : والذي نفسي بيده ، لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ، ثم استغفرتم الله ، لغفر لكم . فقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة : أحدها : الدعاء مع الرجاء ، فإن الدعاء مأمور به ، وموعود عليه بالإجابة ، كما قال تعالى : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم [ غافر : 60 ] . وفي " السنن الأربعة " عن النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الدعاء هو العبادة ثم تلا هذه الآية . وفي حديث آخر خرجه الطبراني مرفوعا : من أعطي الدعاء ، أعطي الإجابة ، لأن الله تعالى يقول : ادعوني أستجب لكم . وفي حديث آخر : ما كان الله ليفتح على عبد باب الدعاء ، ويغلق عنه باب الإجابة . لكن الدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه ، وانتفاء موانعه ، وقد تتخلف إجابته ، لانتفاء بعض شروطه ، أو وجود بعض موانعه ، وقد سبق ذكر [ ص: 403 ] بعض شرائطه وموانعه وآدابه في شرح الحديث العاشر . ومن أعظم شرائطه : حضور القلب ، ورجاء الإجابة من الله تعالى ، كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، فإن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه . وفي " المسند " عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن هذه القلوب أوعية ، فبعضها أوعى من بعض ، فإذا سألتم الله ، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة ، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاء من ظهر قلب غافل . ولهذا نهي العبد أن يقول في دعائه : اللهم اغفر لي إن شئت ، ولكن ليعزم المسألة ، فإن الله لا مكره له . ونهي أن يستعجل ، ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة ، وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة دعائه ولو طالت المدة ، فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء . وجاء في الآثار : إن العبد إذا دعا ربه وهو يحبه ، قال : يا جبريل ، لا تعجل بقضاء حاجة عبدي ، فإني أحب أن أسمع صوته ، وقال تعالى : وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين [ الأعراف : 56 ] . [ ص: 404 ] فما دام العبد يلح في الدعاء ، ويطمع في الإجابة من غير قطع الرجاء ، فهو قريب من الإجابة ، ومن أدمن قرع الباب ، يوشك أن يفتح له . وفي " صحيح الحاكم " عن أنس مرفوعا : لا تعجزوا عن الدعاء ، فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث