الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1234 [ ص: 65 ] ( 23 ) باب ما جاء في نفقة المطلقة

1190 - مالك ، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن فاطمة بنت قيس : أن أبا عمرو [ ص: 66 ] بن حفص طلقها البتة ، وهو غائب بالشام ، فأرسل إليها وكيله بشعير ، فسخطته . فقال : والله ما لك علينا من شيء . فجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك فقال " ليس لك عليه نفقة " ، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ، ثم قال " تلك امرأة يغشاها أصحابي " . اعتدي عند عبد الله بن أم مكتوم . فإنه رجل أعمى . تضعين ثيابك عنده ، فإذا حللت فآذنيني " قالت : فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان ، وأبا جهم بن هشام خطباني . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه . وأما معاوية فصعلوك لا مال له . انكحي أسامة بن زيد " قالت : فكرهته . ثم قال : " انكحي أسامة بن زيد " فنكحته . فجعل الله في ذلك خيرا ، واغتبطت به .

[ ص: 67 ] 1191 - مالك : أنه سمع ابن شهاب يقول : المبتوتة لا تخرج من بيتها حتى تحل ، وليست لها نفقة . إلا أن تكون حاملا ، فينفق عليها ، حتى تضع حملها .

قال مالك : وهذا الأمر عندنا .

التالي السابق


26861 - قال أبو عمر : أما قول فاطمة في هذا الحديث أن زوجها طلقها البتة ، ففيه جواز طلاق البتة ; لأنه لم ينكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

26862 - ولم يختلف في هذا اللفظ عن مالك في هذا الحديث .

26863 - وكذلك رواه الليث ، عن الأعرج ، عن أبي سلمة ، عن فاطمة .

26864 - وكذلك رواه محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن فاطمة .

[ ص: 68 ] 26865 - وكذلك رواه مجالد ، عن الشعبي ، عن فاطمة .

26866 - وكذلك رواه الليث ، عن أبي الزبير ، عن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص : أن جده طلق فاطمة البتة .

26867 - وقد روي أنه طلقها ثلاثا مجتمعات .

26868 - وروي عنه أن طلاقه ذلك كان آخر ثلاث تطليقات .

26869 - وقد ذكرنا الآثار بذلك كله في " التمهيد " وذكرنا هذه المسألة مجودة في أول كتاب الطلاق ، والحمد لله .

26870 - وفي هذا الحديث نص ثابت : أن المبتوتة ليس لها نفقة على زوجها الذي بت طلاقها ، وهذا إذا لم تكن حاملا فإن كانت المبتوتة حاملا ، فالنفقة [ ص: 69 ] لها بإجماع من العلماء ; لقول الله - عز وجل - في المطلقات المبتوتات : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن [ الطلاق : 6 ] .

26871 - وهذا لا شك في المبتوتات ; لأن اللواتي لأزواجهن عليهن الرجعة ، لا خلاف بين علماء الأمة في أن النفقة لهن ، وسائر المؤنة على أزواجهن ، حوامل كن ، أو غير حوامل ; لأنهن في حكم الزوجات في النفقة ، والسكنى والميراث ما كن في العدة .

26872 - وهذا بين واضح في أن قوله - عز وجل - : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن [ الطلاق : 6 ] أنهن المبتوتات .

26873 - واختلف العلماء في النفقة للمبتوتة إذا لم تكن حاملا .

26874 - فأباها قوم ، وهم أهل الحجاز ، منهم : مالك . الشافعي .

26875 - وتابعهم على ذلك أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد .

26876 - وحجتهم هذا الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة " ليس لك عليه نفقة " .

26877 - وهو حديث مروي من وجوه صحاح متواترة عن فاطمة .

26878 - وممن قال : إن المبتوتة لا نفقة لها إن لم تكن حاملا : عطاء بن أبي رباح ، وابن شهاب ، وسعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والحسن البصري .

[ ص: 70 ] 26879 - وبه قال الليث بن سعد ، والأوزاعي ، وابن أبي ليلى .

26880 - حدثنا عبد الوارث بن أبي سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا مطلب بن شعيب ، قال : أخبرنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثنا الليث ، قال : حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف : أن فاطمة بنت قيس - وهي أخت الضحاك بن قيس - أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة ، فطلقها ثلاثا ، وأمر وكيله لها بنفقة ، رغبت عنها ، فقال وكيله : ما لك علينا من نفقة ، فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته عن ذلك ، فقال لها : صدق ، ونقلها إلى ابن أم مكتوم ، وذكر تمام الخبر .

26881 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، والحسن بن حي : لكل مطلقة السكنى ، والنفقة ما دامت في العدة حاملا كانت أو غير حامل ، مبتوتة أو رجعية .

26882 - وهو قول عثمان البتي ، وابن شبرمة .

26883 - وحجتهم في ذلك أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعبد الله بن مسعود قالا في المطلقة ثلاثا : لها السكنى والنفقة ما كانت في العدة .

26884 - حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : [ ص: 71 ] حدثنا محمد بن شاذان ، قال : حدثنا المعلى ، قال : حدثنا حفص بن غياث ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عمر قال : المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة .

26885 - وذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن الشعبي ، عن فاطمة بنت قيس ، قالت : طلقني زوجي ثلاثا ، فجئت النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألته ، فقال : " لا نفقة لك ، ولا سكنى " .

26886 - حدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا محمد بن شاذان ، قال : حدثني المعلى ، قال : حدثني يعقوب عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول : لا يجوز في دين المسلمين قول امرأة ، وكان يجعل للمطلقة ثلاثا : السكنى ، والنفقة .

[ ص: 72 ] 26887 - وروى شعبة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن شريح في المطلقة ثلاثا ، قال : لها النفقة ، والسكنى .

26888 - وقالت طائفة : المطلقة المبتوتة إن لم تكن حاملا لا سكنى لها ، ولا نفقة ، منهم : الشعبي ، وميمون بن مهران ، وعكرمة ، ورواية عن الحسن .

26889 - وروي ذلك عن علي ، وابن عباس ، وجابر بن عبد الله .

26890 - وبه قال أحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود .

26891 - حدثنا عبد الوارث ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني محمد بن شاذان ، قال : حدثنا المعلى بن منصور ، قال : أخبرنا أبو عوانة ، عن مطرف ، عن عامر ، قال : سألت فاطمة بنت قيس عن المرأة يطلقها زوجها ثلاثا ، فقالت : [ ص: 73 ] طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيت النبي - عليه السلام - فلم يجعل لي سكنى ، ولا نفقة ، فقيل لعامر : إن عمر لم يصدقها ، فقال عامر : ألا تصدق امرأة فقيهة نزل بها هذا ؟

26892 - وروى مجاهد وغيره هذا الحديث عن الشعبي ، فزاد فيه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها : " لا سكنى لك ، ولا نفقة ، إنما السكنى ، والنفقة لمن لزوجها عليها رجعة " .

26893 - وحدثني أحمد بن القاسم ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني الحارث بن أبي أسامة ، قال : حدثني يزيد بن هارون ، قال : حدثني عمرو بن ميمون بن مهران ، عن أبيه ، قال : جلست إلى سعيد بن المسيب ، فسألته ، فقال : إنك لتسأل سؤال رجل قد تبحر في العلم قبل اليوم ، قال : قلت : إني بأرض أسأل بها ، قال : فكيف وجدت ما أفتيتك به مما يفتيك به غيري ممن سألت من العلماء ؟ قلت : وافقتهم إلا في فريضة واحدة ، قال : وما هي ؟ قلت سألتك عن المطلقة ثلاثا ، أتعتد في بيت زوجها أم تنتقل إلى أهلها ؟ فقلت : تعتد في بيت زوجها ، وقد كان من أمر فاطمة بنت قيس ما قد علمت ، فقال سعيد : تلك امرأة فتنت الناس ، وسأخبرك عن شأنها : إنها لما طلقت استطالت على أحمائها ، وآذتهم بلسانها ، فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تنتقل إلى ابن أم مكتوم ، قال : لئن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرها بذلك ، إن لنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة مع أنها أحرم الناس عليه ، ليس له عليها رجعة ، ولا بينهما ميراث .

[ ص: 74 ] 26894 - قال أبو عمر : قد ذكرنا من الحجة لهذا القول ، وغيره في " التمهيد " ما فيه شفاء لمن طلب العلم لله - عز وجل - .

[ ص: 75 ] [ ص: 76 ] 26895 - وأما قوله : اعتدي في بيت أم شريك ، ثم قال : تلك امرأة يغشاها أصحابي : اعتدي في بيت ابن أم مكتوم .

[ ص: 77 ] 26896 - ففيه دليل على أن المرأة المتجالة العجوز الصالحة جائز أن يغشاها الرجال في بيتها ، ويتحدثون عندها ، وكذلك لها أن تغشاهم في بيوتهم ، ويرونها ، وتراهم فيما يحل ، ويجمل ، وينفع ، ولا يضر .

26897 - قال الله - عز وجل - : والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة [ النور : 60 ] .

26898 - والغشيان في كلام العرب : الإلمام والورود .

26899 - قال حسان بن ثابت :

يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل

26900 - فمعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : تلك امرأة يغشاها أصحابي أن يلمون بها ، ويردون عليها ، ويجلسون عندها .

26901 - وفي رواية الشعبي في هذا الحديث في أم شريك : تلك امرأة يتحدث عندها .

26902 - وفي رواية أبي بكر بن أبي الجهم أن بيت أم شريك يغشى .

26903 - وفي حديث ابن الزبير أن بيت أم شريك يوطأ .

[ ص: 78 ] 26904 - وقد ذكرنا الأسانيد بهذه الألفاظ في " التمهيد " .

26905 - وفي ذلك دليل على أن القوم كانوا يتحدثون بالمعاني .

26906 - وفي رواية ابن عيينة ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن فاطمة بنت قيس في هذا الحديث ، قالت : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستتر مني ، وأشار سفيان بن عيينة بيده على وجهه .

26907 - وفي حديث قيلة بنت مخرمة في قدومها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأومأ بيده خلفه ، وقال - ولم ينظر إلي : يا مسكينة عليك السكينة .

26908 - وفي حديث بريدة الأسلمي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي - رضي الله عنه - : لا تتبع النظرة النظرة ، فإن لك الأولى ، وليست لك الآخرة " .

26909 - وقال جرير : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظر الفجاءة ؟ فقال : " غض [ ص: 79 ] بصرك " .

26910 - وهذه الآثار ، وما كان مثلها في معناها يدلك على أن قوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم ، تضعين ثيابك ، ولا يراك ، أراد به الإعلان بأن نظر الرجل إلى المرأة ، وتأمله لها ، وتكرار بصره في ذلك لا يجوز له ; لما فيه من داعية الفتنة .

26911 - وفي حديث محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن فاطمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها : انتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم ، فإنه رجل قد ذهب بصره ، فإن وضعت شيئا من ثيابك لم ير شيئا .

26912 - وفي هذا الحديث دليل على جواز نظر المرأة إلى الرجل الأعمى ، وكونها معه ، وإن لم تكن ذات محرم منه في دار واحدة ، وبيت واحد ، وفي ذلك ما يرد حديث نبهان - مولى أم سلمة - عن أم سلمة ، قالت : كنت أنا وميمونة جالستين عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستأذن عليه ابن أم مكتوم الأعمى ، فقال : احتجبا منه ، فقلنا : يا رسول الله ، أليس بأعمى ، ولا يبصرنا ؟ قال فعمياوان [ ص: 80 ] أنتما ؟ .

26913 - ففي هذا الحديث نهيه عن نظرهما إلى ابن أم مكتوم ، وفي حديث فاطمة إباحة نظرها إليه .

26914 - ويشهد لحديث نبهان هذا ظاهر قول الله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن [ النور : 31 ] كما قال : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم [ النور : 30 ] .

26915 - ويشهد لذلك من طريق الغيرة أن نظرها إليه كنظره إليها .

26916 - وقد قال بعض الأعراب : لأن ينظر إلى وليتي عشرة رجال ، خير من أن تنظر هي إلى رجل واحد .

26917 - ومن قال بحديث فاطمة احتج بصحة إسناده ، وأنه لا مطعن لأحد من أهل العلم بالحديث فيه ، وقال : إن نبهان - مولى أم سلمة - ليس ممن يحتج [ ص: 81 ] بحديثه ، وزعم أنه لم يرو إلا حديثين منكرين .

( أحدهما ) : هذا .

( والآخر ) : عن أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي به كتابته ، احتجبت منه سيدته .

26918 - ومن صحح حديث نبهان ، قال : إنه معروف ، وقد روى عنه ابن شهاب ، ولم يأت بمنكر .

26919 - وزعم أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحجاب لسن كسائر النساء .

[ ص: 82 ] 26920 - قال الله - عز وجل - : يانساء النبي لستن كأحد من النساء . . . . . . . الآية [ الأحزاب : 32 ] .

26921 - وقال : إن نساء النبي - عليه السلام - لا يكلمن إلا من وراء حجاب متجالات كن ، أو غير متجالات .

26922 - وقال : الستر ، والحجاب عليهن أشد منه على غيرهن ; لظاهر القرآن ، وحديث نبهان عن أم سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

26923 - وأما قولها : إن أبا معاوية ، وأبا جهم بن هشام خطباني ، فقد وهم فيه يحيى بن يحيى صاحبنا ، وغلط غلطا سمحا ; لأنه ليس في الصحابة أحد يقال له : أبو جهم بن هشام ، ولا قاله أحد من رواة مالك لهذا الحديث ، ولا غير مالك . وإنما هو أبو جهم هكذا جاء ذكره في هذا الحديث عند جماعة رواته غير منسوب ، وهو أبو جهم بن حذيفة بن غانم العدوي القرشي ، وقد ذكرناه في كتابنا في الصحابة بما يكفي من ذلك من ذكره ، وأظن يحيى شبه [ ص: 83 ] عليه بأبي جهل بن هشام ، والله أعلم .

26924 - وفي ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإنكار على فاطمة ، وقولها : إن معاوية ، وأبا جهم خطباني ، ولا أنكر عليها ذلك ، بل خطبها مع ذلك لأسامة بن زيد دليل على صحة ما قدمنا ذكره في أول كتاب النكاح عن مالك ، وغيره من العلماء أن نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ليس على ظاهره ، وأن المعنى فيه الركون ، والميل والمقاربة ، فإذا كان ذلك ; لم يجز حينئذ أن يخطب أحد على خطبة أخيه ، وهذا في معنى نهيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع الرجل على بيع أخيه .

[ ص: 84 ] 26925 - وفي هذا الحديث دليل على أن من أخبر على أخيه لمن يستنصحه فيه عند الخطبة ; لما هو عليه من الخلق المذموم المعيب ، فليس بمغتاب .

[ ص: 85 ] 26926 - وأما قوله ذلك ليس بغيبة ، وأنه جائز حسن من النصيحة التي هي الدين .

26927 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا استنصح أحدكم أخاه ، فلينصح له ، فإن الدين النصيحة لله - عز وجل - ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين ، وعامتهم " .

26928 - وفي هذا الباب سؤال الحاكم عن الشاهد عنده ، فواجب على المسئول أن يقول فيه الحق الذي يعلمه لينفذ القضاء فيه بما أمره الله - عز وجل - به من رد شهادته للفسق ، أو قبولها للعدالة .

26929 - وفي قوله : صعلوك ، لا مال له دليل على أن المال من واجبات النكاح ، وخصال الناكح ، وأن الفقر من عيوبه ، وأنه لو بين ، أو عرف ذلك منه ، ورضي به لجاز كسائر العيوب .

26930 - وأما قوله : لا يضع عصاه عن عاتقه ، ففيه دليل على أن المفرط في الوصف لا يلحقه الكذب ، والمبالغ في النعت بالصدق لا يدركه الذم .

26931 - ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في أبي جهم : لا يضع عصاه عن [ ص: 86 ] عاتقه ، وهو قد ينام ، ويصلي ، ويأكل ، ويشرب ، ويشتغل بما يحتاج إليه من شغله في دنياه .

26932 - وإنما أراد المبالغة في أدب النساء باللسان واليد ، وربما يحسن الأدب بمثله ، كما يصنع الوالي في رعيته .

26933 - وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لرجل أوصاه : لا ترفع عصاك عن أهلك ، وأخفهم في الله - عز وجل - .

26934 - وروي عنه - عليه السلام - أنه قال : علق سوطك حيث يراه أهلك .

[ ص: 87 ] 26935 - والعرب تكني بالعصاة عن أشياء كثيرة منها : الطاعة ، والألفة ، ومنها : الإخافة ، والشدة .

26936 - وقد أشبعنا هذا المعنى في " التمهيد " ، وأتينا بما قيل في معنى العصا ، أو وجوهها بالشواهد في الشعر ، وغيره هناك ، والحمد لله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث